09‏/11‏/2009

أنت منذ اليوم

سلام الله

تعودنا ان نضع نصا
تحت الضوء ومن خلاله نشتغل
هنا ووفاءً لتجربة فذة
نستميح روح تيسير الف عذر
لنضع السبول تحت الضوء
اذ به يليق الضوء
آملين رفدنا من خلال مشاركاتكم
وبما لديكم في أرشيفكم الخاص
من مواد أدبية وسواها تمت لصلة
بالراحل تيسير ونتاجه الأدبي ومراسلاته وصوره

نتمنى ان نصل الى موسوعة
تلقي الضوء على تجربة الراحل
تيسير السبول
علنا نسهم في اثراء المكتبة الرقمية
انصافا متواضعا ...واسهاما فينيقيا
لشاعر كان يحمل هما وحدويا
فعذرا يا تيسير عن اي تقصير

والشكر الشكر لكل من سيرفدنا
ولكل من سيعبر ويقرأ
وباسم الله نبدأ

الاديب الأردني تيسير السبول تحت الضوء


انا يا صديقي
اسير مع الوهم
ادري ايمم نحو تخوم النهاية
نبيا غريب الملامح امضي الي غير غاية
ساسقط لابد ، يملأ جوفي الظلام
نبيا قتيلا وما فاه بعد باية
وأعلم أن قد اختلفت بي طريقي
‏غداً حين يملأ جوفي الظلام‏
ستنسى لكم أنت تنسى‏
عليك السلام

السيرة
--------



ولد تيسير في مدينة الطفيلة الواقعة جنوب الأردن عام 1939. حياته وأسرته: عاش السبول في أسرة متوسطة الحال تتكون من خمسة أولاد وأربع فتيات هو أصغرهم سناً، وكان والده يعمل مزارعاً أسوة بغيره من أسر الطفيلة آنذاك، والذي سعى، رغم ضيق حاله، إلى ضم أبنائه وبناته ضمن صفوف الجامعيين. شخصيته ودراسته: تميّز السبول بشخصية قوية وبسرعة البديهة والذكاء والإحساس المرهف، ما جعله محط أنظار أساتذته وأقرانه الذين تنبأوا له بعلوّ الشأن، حيث كان منذ صغره مولعاً بالكتب فانكب على القراءة. واصل السبول دراسته المتوسطة والثانوية في مدينة الزرقاء بتفوق رغم أجواء القلق والاضطراب والحزن جرّاء سجن أخيه شوكت بسبب آرائه السياسية. واستطاع السبول وبسبب جَلَده وتفوّقه في الدراسة الثانوية الحصول على منحة دراسية إلى الجامعة الأمريكية في بيروت لدراسة الفلسفة، إلا أن الحياة في تلك الجامعة لم ترق لشاب تشغله قضايا الأمة العربية وما يعج بالعالم العربي من أحداث سياسية.

بداياته الشّعرية
---------------

دفعته الأحداث السياسية إلى ترك الجامعة ودراسة الحقوق في جامعة دمشق، والتي ظهر السبول فيها كشاعر ذي موهبة، ما زاد من اطلاعاته الواسعة على قراءة الكتب والصحف والمجلات اليومية والأسبوعية، لتبدأ مسيرته كشاعر في الكتابة ببعض المجلات والدرويات الشهرية الأدبية في دمشق وبيروت كمجلة الثقافة، والآداب والأديب. توقف السبول عن الكتابة لفترة وجيزة متأثراً بما يدور حوله من توالد للهزائم والنكسات، إذ باتت تشكل عبئاً عليه يرزح تحتها. حياته العملية: عمل السبول موظفاً متنقلاً من وظيفة إلى أخرى وتزوج وأنجب طفلين، عتبة وصبا ثم عمل في الإذاعة الأردنية.

في الثانية الا ربعا ،من مساء يوم 15 ـ 11 ـ 1973 سدد تيسير السبول رصاصة قاتلة باتجاه رأسه هرباً من شيخوخة اسمها "الهزيمة"، لازمت الامة وبالتالي انهكت روحه.انتحار تيسير سبول وضع الساحة الثقافية الأردنية في حالة من الذهول جراء قراره والذي لم يكن مفاجئاً حسب ما روى أقرانه .تيسير سبول كتب في مجالات أدبية مختلفة ، حيث كتب الرواية والقصة القصيرة والشعر والمقالة الصحفية والترجمة والنقد والدراسة بالاضافة إلى تقديمه لبرنامج ثقافي في الاذاعة الأردنية لمدة أربعة أعوام بلا انقطاع .وتعد روايته "انت منذ اليوم " الذي كتبها بعد هزيمة 1967 المريرة وفازت بجائزة مسابقة "دار النهار اللبنانية للنشر " مناصفة مع رواية "الكابوس" لأمين شنار من أهم الروايات العربية التي تقف في مصاف الروائع .



تيسير السبول شاهد عصره وشهيده
----------------------------------



رسالة زوجة الراحل / د. مي اليتيم الكتابة عن تيسير سبول الزوج والصديق والحبيب لا يمكن أن تكون محايدة..إنما تنزلق خارجة على المكان والزمان فتختلط المشاعر الشخصية بكل ما فيها من إرهاصات الحب والأحزان، فينكأ الجرح الهامد ينبض حيا، يتلجلج النطق فيهرب المرء من نفسه، أو يتكئ على الصمت محاولا إسدال ستار على آلامه الخاصة. وما كنت لأسجل شهادتي عن تيسير لولا إلحاح الأولاد والأصدقاء ومحبي تيسير.

سأحاول جاهدة أن أرسم صورة تيسير الإنسان الذي كان قدره أن يكون شاعرا مبدعا مجبولا بالشفافية والحساسية. صادقا مع نفسه ومع الآخرين. مثاليا، ورومانسيا وذا وعي حاد بكل ما حوله. ففي زمن انتقاء العواطف الكبيرة الحقيقية كان العام والخاص ينظمان وقع حياة الشاعر.

وكانت حياته القصير ة جدا، الخاطفة، سجلا مريرا لما مر من أحداث ووقائع في عالمه لعربي الكبير. صدمته الهزائم المتكررة فج نبع الحكمة وفقد القدرة على التحديد والصمود وانتقت لديه كل أسباب الحياة. في هذه العجالة سأحاول تقديم لمحة موجزة عن حياته المعاشة ومسيرتها بخطوطها العريضة وهي ليست سوى إضاءة بسيطة لمن لا يعرف تيسير سبول، وذكرى متجددة لمن عرفه وعايشه. ولن أتحدث عن أدبه. فالأدب يقدم نفسه دون وساطة. كما أن هناك أكاديميين يمكنهم تقديم دراسات عن أدب تيسير بشكل أفضل. على المستوى الشخصي كانت حياة تيسير السبول العظيمة المتوهجة خالية من الأحداث الهامة. فقد كانت حياته تسير بنفس المراحل التي مر بها معظم شباب جيله . وإنما كانت الأحداث الكبرى التي مر بها الوطن العربي هي المراحل التي أثمرت في مجرى حياة تيسير وشكلتها.

ولنبدأ منذ البداية. ولد تيسير سبول في مدينة الطفيلة في جنوب الأردن، مدينة يعتاش أهلها على الزراعة لتوفر الماء فيها، واقعة على أطراف الصحراء في 15/1/1939 لأسرة متوسطة الحال. يعمل والده بالزراعة، وهو شخص قوي الشخصية نافذ الكلمة محترما من أقرانه وكان لديه أسرة كبيرة العدد نسبيا إذ كان لديه خمسة أولاد أصغرهم تيسير وأربع من البنات وقد سعى رغم أميته إلى تعليم أبناءه وبناته حتى نال أكثرهم الشهادة الجامعية. كان لتيسير الحظ الأوفر من النباهة والذكاء مما جعله محط أنظار أساتذته وأقرانه الذين تبأوا له بعلو الشأن. مما أعطاه إحساسا خاصا بالتفرد والأهمية. وجعله منذ البداية واثقا من نفسه قوي الشخصية ذا حضور متميز. وانكب على الدراسة والقراءة. ينهل من منابع المعرفة وكان لأخيه العائد من بريطانيا (شوكت السبول) تأثيرا إيجابيا إذ غذى فيه حبه للتعلم وساعده ليقف على قدميه ويشتد عوده. بل ضمه إليه بعمان، وكان في كل مكان مجليا ومبرزا رغم اهتمامه بالشعر والأدب بعيدا عن المناهج المدرسية المقررة.
هذا الذكاء والشفافية والوعي الحاد بكل ما حوله رافقه نوع غامض من الحزن المبهم الذي يمس شغاف قلبه فكانت نجاحاته المدرسية ووضعه الاجتماعي غير كافيين لإرضاءه. كان دائم التألم لما حدث في فلسطين وما يحدث. فبعد نكبة فلسطين 1948 وضياع جزء هام من الوطن العربي تم تدفق اللاجئين بحالة محزنة من الضياع والتشتت إلى أرجاء البلاد العربية باحثين عن زوايا تلم شملهم وشتاتهم. تحت عيون العالم الصامت أمام قوة السلاح الذي يطرد شعبا أعزل من بلاده وما اهتز الوجدان العالمي للمأساة وما نبس بكلمة. بل إن بعضهم بارك اليد الملوثة بالدماء وصفق لها.

كانت النكبة الجرح الأول في قلبه، شاب ما غادر بعد مرحلة الطفولة وتحولت إلى هاجس يرجو النصر على مر الأيام، كم جرب بعد ذلك الحب وفشل فيه فبعد أن كتب قصائد لا تعد عن الحب بدأ يمزق أوراقه بحثا عن الأجدى لأمور لا تجري كما يريد. ولكن أسمه كان قد لمع في المدرسة كشاعر مهم يلقي شعرا بين الفينة والأخرى من منبر الإذاعة في برنامج مع الطلبة. وبرامج أخرى منوعة. ومن منابر المدارس التي كان يدعي إليها. أنهى تيسير دراسته الثانوية بتفوق رغم القلق والاضطراب والحزن الذي سببق سجن أخيه شوكت بسبب آراءه السياسية ولكن آلام تيسير جعلته يتحدى الوقائع المؤلمة وينجح نجاحا باكرا أهله للحصول على منحة دراسية إلى الجامعة الأمريكية في بيروت لدراسة الفلسفة ولكن الحياة في الجامعة الأمريكية في بيروت لم ترق لشاب تشغله قضايا الأمة العربية وما يعج بالعالم العربي من أحداث.

ترك الجامعة الأمريكية وقرر دراسة الحقوق في جامعة دمشق. وفي دمشق برز تيسير كشاعر شاب موهوب وأوسعت له الصحف اليومية والأسبوعية صدرها لاستقبال أشعاره وكذلك الدوريات الشهرية الأدبية في دمشق وبيروت كمجلة الثقافة، الآداب والأديب. وكان لاسمه توهجا خاصا لفت إليه الأنظار. ثم جاءت الوحدة بين مصر وسوريا فكانت فاتحة أمل لأحلام ما فتئت تداعب صدور الشعوب العربية المؤمنة برسالتها وقوميتها، وسرعان ما تبعها الانفصال فكان شرخا كبيرا وهزيمة ساحقة فبتدد الحلم وتجلت الهزائم اليومية الأخرى على مستوى الأصعدة الثقافية والاجتماعية فقد كان الشعب العربي يمر بمخاض مؤلم من تغيير في وجهه الحضاري.

لقد حدث تخلخل في التاريخ وما كان هناك تفسير يوضح ما جرى ويجري. توقف تيسير عن الكتابة حينا من الزمن فالشاعر الذي عاش وقائع زمنه بكل حواسه وبمثالية حالمة أصبح يرزح تحت عبء الإنكسارات المتوالية. التفت آنذاك إلى الحياة اليومية فعمل موظفا متنقلا من وظيفة إلى أخرى. وتزوج وأنجب طفلين، عتبة وصبا، وبدا وكأن الزمن قد أبرأ جراحه. جاءت هزيمة حزيران لتتكأ الجرح القديم وتزعزع ما استقام من حياته. الضربة قوية مؤلمة وفي الصميم. بكى الهزيمة ولا عزاء. ذهب إلى الجسر المهدم ليلقي بنظرة وداع على جزء عزيز على قلبه قد ذهب ربما إلى غير رجعة. أعلن موت الشعر. وبدا عاكفا على قراءة تاريخه القديم مستلهما من الماضي ما يعينه على مواجهة مستقبل غائم غامض. عكفت على كتابة روايته (أنت منذ اليوم) والتي حازت على جائزة النهار الأدبية لعام 1968 محللا ما يجري في عالمه، متخذا من العنوان نفسه شعارا لما سيأتي.. محاولة لغفران الماضي ونداء لبداية جديدة. مستصرخا شعبه العربي لينهض ويبدأ من جديد منذ اليوم... ولكن الأمور لم تجر كما يريد وما نيل المطالب بالتمني. وكانت حرب تشرين 1973 انتصارا في البداية أعقبه تراجع وهزيمة في الدفرسوار. ثم استسلام وصلح مجحف. لقد خانته رؤياه فالعربي استسلم لهزائمه الماضية واستراح خارجا عن نطاق الزمن. وما كان لصوت شعر واثق أن يحرك الهمم. في ذلك الحين لم يعد تيسير يحلم بالمستقبل إذ بدا له غاية في السواد والغموض. انطفأت شعل الحياة في أعماقه. أحس أن الهزيمة هزيمة شخصية له. وما كان له أن يقف موقف المتفرج الصامت في معمعة الحياة. وما طابت له الحياة المعاشة العادية. ولعله في لحظة خاطفة وفجأة قرر الانسحاب من الحياة معلنا تمرده ورفعته لمنطق الصمت والهزيمة.
وزعقت رصاصة جانية بصرخة مدوية فلم يبق شيء يمكن أن يقال بعد الآن. وهكذا رحل تيسير في اليوم الخامس عشر من تشرين عام 1973. ولعل دوي الرصاصة القاتلة لا تزال تستصرخ يوما يأزف فيه النصر النصر على ذواتنا الضعيفة الداكنة.



تيسير السبول منجزات في زمن قياسي
-------------------------------------

كتب تيسير سبول رواية"أنت منذ اليوم"، وشاع أمرها في الأوساط الثقافية العربية، بل اقترن اسم تيسير باسم روايته "أنت منذ اليوم"، وهي الرواية التي فازت بجائزة جريدة النهار في بيروت مناصفة مع رواية "الكابوس" لأمين شنار، بل دفع بالبعض الاعتقاد بأن تيسير لم يكتب شيئا غيرها، في حين كتب البعض دراسات عن ديوانه"أحزان صحراوية"، وكتب قصصا ومقالات وأحاديث إذاعية، قام بجمعه بعد وفاته فوزي الخُطبا، ونشرها في كتاب بعنوان: "حديث الأثير، وصدر أخيرا مجلد بعنوان :"تيسير سبول: الأعمال الكاملة"من منشورات البنك الأهلي الأردني" عام 2005 ، وقدّمت له زوجته الدكتورة مي اليتيم، وقد توقفت عن الأحاديث الإذاعية التي كان يُذيعها تيسير سبول في برنامج بعنوان: "على أمواج الأثير"، وهي أحاديث في الشعر والرواية والقصة والمسرح والفكر، وهذه الأحاديث منشورة في الأعمال الكاملة، لما لهذه الأحاديث من قيمة أدبية تدخل في باب النقد مرة، وباب التراجم مرة أخرى، وثالثة في باب الدراسات.

في القسم الأول من أحاديثه الإذاعية لبرنامج "على أمواج الأثير" في مواقف في الشعر، حديث عن كتاب لصلاح عبد الصبور بعنوان "قراءة جديدة لشعرنا القديم"، فالسبول يعرض لمحتويات الكتاب في فصوله المختلفة، ويراه محاولة للاتصال بالتراث العربي القديم واستخراج النفيس من قيمه الفنية والإنسانية، ويثبت الكتاب أن الشعراء الحديثين ليسوا مقطوعي الجذور عن أدبهم وتراثهم، بل هم في طليعة الحريصين على هذا التراث وإحيائه في أطر من الفهم العصري القريب للقارئ الجديد.

كما يتوقف السبول مع المتنبي العربي في رحلة مع الشعر، وقوف المتذوق للشعر، معبرا عن اختياره للأبيات الشعرية التي فيها أنفة العربي وتحديه للشدائد، وهذا ما تمثل في شخصية المتنبي، وتطابق مع شعره، ويختم بقوله:
"إنه الشاعر الحق، يعيش عمره على مستويين، مستوى من الواقع، ومستوى من الكونية، ويتمزق بينهما"، ونردد قول المتني:
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا
تمنيتها لمّا تمنيت أن ترى صديقا فأعـيا أو عـدوا مداجـيا

كما له وقفة مع الشاعرة كلثوم مالك عرابي في ديوانها: النابالم جعل قمح القدس مرا، ويبدأ بحديث عن تعالق الشعر مع النثر، أو اقترابه منه، وبهذا الاقتراب بدأ الشعر يفقد الكثير من خصائصه، وحدثت أزمة الشعر، فهناك المدافعون عن خصوصية الشعر، ويرون أن المحافظة على المميزات التي تمنحه قوة خاصة: الخيال والعاطفة والإيقاع، ويرى غيرهم بأن هذه العناصر نسبية، تتراوح بين زمن وزمن، وليس الشعر بمتميز عن سواه من الفنون المتطورة المتغيرة أبدا بتغير واقع الإنسان وهمومه ولون حياته.

يقرر قبل الحديث عن المفردة الشعرية في الديوان، بأن هذا الديوان يتزاوج الحلم والواقع فتتلاشى الحدود، ولا يعود الحلم نقيضا للواقع بل يتبادلان العطاء أحدهما للآخر. يكون الحديث قصيرا عن الديوان وهو حديث واع بالشعر وما يحمله من صور، وتشكيل في اللغة، ومن شعرها: ويقال عن النجمة إذ عشقت لون الأقمار هي بعض طفولة قيثار تتجاوز مرماها في سحر الأحلام وتحن إلى ما بعد الشمس ويقال الصبح تمارض فينا وبأن الأنداء تهاوت في قلب الصيف وماتت والنابالم قناع أحمر لم يتمزق بعد.

ويقف السبول عند مرثية "أبو ذؤيب الهذلي" لأولاده، وهي من عيون الشعر العربي القديم، وتعدّ من شعر المراثي، الذي تصدق فيه العاطفة، وينتقل الشعور الشخصي إلى شعور إنساني، بل إلى شعور بالحيوان الذي يواجه الموت، كما جاء في القصيدة وصفا لمصرع الحمار الوحشي على يد صياد، ومصرع ثور بري في صراع مخيف مع الكلاب، وفي القصيدة مواجهة مع الموت الذي أفقد أبا ذؤيب أولاده الخمسة في عام واحد، وأول مطلع القصيدة:
أمًن المنون وريبها تتوجعُ والدهر ليس بمعتبً من يجزعُ

كما يقف عند أبيات من شعر الحبّ، فكانت رحلة إلى أفق الحب، ووجدت أن تلك الأبيات تصور لوعة العاشق، والفراق، والألم الذي يعتصر الأفئدة، ولم يُشر السبول إلى قائلي الأبيات، وإنما اختار ما يُناسب ذوقه، وختم وقفته عند صورة غريبة، خاصة عن الحب، كما قال، ويظنّها من جوهر فريد:
فإن تمنعوا ليلى وحسن حديثها فلن تمنعوا عني البكا والقوافيا
فهلا منعـتم إذ منعتم حديثـها خيالا يوافيني على النأي هاديا
ويقف مع ديوان "ترجمان الأشواق" لابن عربي، ويتساءل إن كان هذا الشعر في العشق الإلهي أم في العشق الإنساني، وفي الديوان جواب ابن عربي بقوله:
إن كل إشارة وكل اسم صبوة إنما تجيء جميعا تكنية عن العشق الإلهي، وفي جانب أخر يكشف ابن عربي حجاب الغموض عن ديوانه، فقد قدمه له بمقدمة غريبة حقا، فأشار إلى فتاة عرفها، ووصفها بكلماته كالتالي:
من العابدات العالمات، ساحرة الطرف، إن أسهبت أتعبت، وإن أوجزت أعجزت.

ووقف مع الشاعر فلاديمير ماياكوفسكي في قصيدته "غيمة في بنطال، تلك القصيدة التي تعبر عن رائحة الموت، فيترك فلاديمير كلمات حزينة بعدما أطلق على نفسه الرصاص، يقول:
زورق الحب الذي تحطم على صخور الحياة اليومية، ورجاء لأمه ألا تبكي وللناس ألا يتقولوا عليه".
ووقفة أخرى مع الشاعر الإسباني "غرستاف ادولف بيكر"، الذي توفي عن أربعة وثلاثين عاما، وترك ديوانا أسماه "قصائد"، وشعر بيكر ذاتي ولكنه لا يفتقر إلى النزعة الإنسانية، فهو شاعر يؤمن بالجمال والشعر والحب، ومن شعره:
أعرف نشيدا ضخما غريبا ينبئ في ليل الروح عن فجر
ويقف مع الشاعر الفرنسي "لامارتين"، مستعرضا سيرته، ونجد في هذه السيرة أديبا ترك بصماته الواضحة في التراث الإنساني، وكان مثقفا فريدا، ومتجولا في الشرق، فزار سوريا ولبنان وفلسطين، وقد تعلق بالمرأة، وكتب قصيدته المشهورة "البحيرة" كتبها من أجل "الفيرا" التي توفيت شابة، وفي نهاية حياته نكب بثروته التي لم يحسب لها حسابا، فقد تجاوزت ديونه خمسة ملايين فرنك، فعرض مؤلفاته للبيع، وقد كرمته الدولة بمعاش سنوي، كمكافأة وطنية لقاء خدماته.
ويقف مع الشاعر الألماني"غوته"، في قصيدة على لسان الفتاة الصغيرة "مينون"، وقوفا تحليليا لأبيات القصيدة، كاشفا عن مضمونها، ومن أبياتها:
حيث الريحانة الساكنة وشجرة الغار العاليةهل تعرف البلد البعيد؟إلى هناكإلى هناكأود أن أمضي معك يا حبيبي".وآخر هذا القسم من مواقف في الشعر، يقف عند وليم شكسبير وعالمه المسرحي، فيقف عند الخلاف القائل بالتشكيك في نسب المسرحيات لشكسبير، أم للسير فرانسيس بيكون أم للشاعر العظيم مالرو، بل وصل الشك إلى إنكار وجود شاعر اسمه شكسبير، ويبقى القول أن المسرحيات تلك من المسرح العالمي بغض النظر عن نسبتها، وتوزعت المسرحيات بين المسرحيات البطولية، كما في تراجيديا الثأر، وكما في المسرحيات التاريخية، والمسرحيات الكوميدية. ويقال إن باكورة إنتاج شكسبير مسرحية "تيتوس اندرونيكس"، وأول مسرحياته التاريخية مسرحية "الملك هنري السادس"، وأول مسرحية كوميدية "كوميديا الأخطاء".

نجد تيسير سبول في القسم الثاني من أحاديثه الإذاعية لبرنامج" على أمواج الأثير "في مواقف في القصة والرواية" ، يتحدّث عن "اختلاط الحدود بين الرواية والشعر"، وهذا الاختلاط كما يراه يتمثّل بالمعنى الاصطلاحي للأجناس الأدبية مثاله:
الصورة الشعرية، هيكل القصيدة وبناؤها، القصيدة النثرية، الرواية الشعرية، فيرى أن الشعر استعار مصطلحا من الرسم (الصور)، وأن الشعر استعار مصطلحات النحت وفن المعمار (هيكل القصيدة وبناؤها) ، وأن مصطلح القصيدة النثرية ومصطلح الرواية الشعرية يبدو فيهما تناقض، في حين أن هذا التفاعل المتبادل بين الرواية والشعر بحاجة إلى عنصر موجود في اللون الآخر، مفتقد في ذاته، فالمخيلة والواقع موجودان (القصيدة النثرية) ، كما أن الواقع والمخيلة أيضا موجودان (الرواية الشعرية) ، ويضرب أمثلة بنماذج عالمية من الكتابة في أشعار (أودن) ، و (جاك بريفير) ، ومسرحيات (إبس) ، وروايات (جيمس جويس) ، و (فرجينيا ولف) ، و (د.ه.لورنس) ، و (ويلز) ، و (شو) ، و (بنيت).
كما نجده في حديث عن "موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح"، فيقدم تلخيصا موجزا لأحداث الرواية، ثم يحلل هذا التلخيص، فنجده يعرض للعلاقة بين الشرق والغرب من خلال أحداث الرواية، من خلال شخصية مصطفى سعيد الشخصية الرئيسة في الرواية، وهذا العرض ما هو إلا تلخيص أخر للحدث نفسه، دون أن الوقوف على فنيات الرواية وجمالياتها، وهذا ما يقر به في نهاية حديثه، باعتبار أن ما قام به تحليل للعمل الروائي، ويستشهد برأي الناقد رجاء النقاش ، ويطلق حُما تعميميا عندما يقول:
ولكن الطيب يقدم عملا فنيا بديعا، لقد استطاع الطيب صالح أن ينفذ من بين جميع الأشكال الروائية، إلى شكل خاص يجمع بين دقة ووضوح الكلاسيكية، وحرارة ورشاقة الأعمال الحديثة، وفي الوقت ذاته، قدم معاناة فكرية صادقة لإشكال فكري سيظل قائما لسنين طويلة".
وفي حديث له عن "الكبار والصغار" وهي مجموعة قصصية للكاتب المصري محمد البساطي، يقدم فهما للواقعية في الأدب والفن، باعتبار الأدب والفن يصور الجانب الوظيفي الاجتماعي، وأن الواقعية تعنى بإعادة تصوير للواقع، وإعادة ابتكار، وإن حل أزمة الأدب الواقعي تكمن في نتاج الأدباء أنفسهم، أكثر مما يمكن في آراء النقاد، ويقرر من منطلق فهمه للأدب "إذ على حصيلة إبداع الأدباء تحيا النظريات التقدمية، حتى وهي تستشرف مستقبل الأدب، وحتى وهي ترسم الحدود".
وتأتي مجموعة محمد البساطي "الكبار والصغار"، في مرحلة اضطراب الرأي حول واقعية القصة العربية، كما يرى تيسير السبول، وهذه المجموعة محاولة للخلاص من بين فكي أزمة الواقعية، فك الجمود والميكانيكية عندما يتحول الأدب والفن إلى جانب وظيفي اجتماعي ، وفك عدم التحديد، وتداخل كل المدارس الأدبية. نجده هذه القراءة أكثر نضجا ووعيا في استخدام أدواته النقدية، مما حلله في رواية الطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال"، فقد قام إلى جانب التلخيص بوقفات حول الفن القصصي وجمالياته، وأطلق أحكاما نقدية على العمل، فقال:
ميّز محمد البساطي نفسه عن عدد كبير من كتاب جيله، الذين تدور قصصهم في إطار الذاتية المغرقة والمغلقة، التي لا تتصل بهموم المجتمع إلا بقدر ضئيل لا يكاد يلحظ، من هذه الزاوية تستطيع أن تطلق على مجموعة محمد البساطي وصف (الموضوعية) بجلاء".
وقد اعتبر عمل البساطي عملا واقعيا يعبر عن مشكلات الإنسان في العالم الثالث، فهو يلتقط الشخصيات الهامشية في المجتمع، ولذلك رأى في مجموعة البساطي الفنان الواعي الذي يمتلك أدوات فنه، والواقعية لديه تتسم بالإيجاز العميق المعبر، وقد استفاد من فن السينما بالتقاط الصور الجزئية وتنسيقها وربطها، كما استخدم المنولوج الداخلي في قصصه، كل هذا جعل من أدب البساطي أدبا واقعيا مبتكرا، وهكذا تحقق للكاتب أن يقدم قصصا إنسانية وواقعية عميقة، وفي الوقت ذاته أدبا رفيعا، كما يراه تيسير سبول.وفي حديثه عن مجموعة نجيب محفوظ "تحت المظلة" نرى عمق التحليل ، والوعي النقدي لدى تيسير السبول، فهو متابع لأعمال نجيب محفوظ، حيث نجده يقول:
تتسم قصص هذه المجموعة بالتجريد والرمزية، وفي الغالب الإيجاز الشديد جدا، والناظر إلى تطور أدب نجيب محفوظ لن يستغرب هذه النتيجة، فالمرحلة الواقعية من قصص نجيب محفوظ، والتي توجت بثلاثيته الشهيرة، كانت بداية في طريق من التطور، نستطيع القول بأن سمته الأساسية تكمن في الابتعاد عن الأسلوب الواقعي في القصص شيئا فشيئا، والميل نحو الرمزية بتسارع يكاد يكون منتظما". كما أننا نلمح وقفاته النقدية في الحديث عن الترابط القصصي داخل المجموعة، ووجد عدد من المسرحيات التجريدية ذات الفصل الواحد في المجموعة نفسها، ففي مسرحية "النجاة" ومسرحية "مشروع للمناقشة" يبدو تأثر نجيب محفوظ بـ (بيرانديللو) ، خاصة اقتران الفكرة بين مسرحية "مشروع للمناقشة" ومسرحية "ست شخصيات تبحث عن مؤلف" لبيرانديللو. ويختم القول تيسير سبول برأيه:
ان نجيب محفوظ يبدو قد اندفع بعيدا جدا عن عالم الواقع في هذه المجموعة، وتحولت قصته إلى طلسم غامض جدا بعض الأحيان"، أي أنه غادر الواقعية، وسيعود بعمل أخر يخاطب الواقع بأسلوب أقل تجريدا.وفي رواية نجيب محفوظ "بداية ونهاية".
قسّم تيسير سبول نتاج محفوظ إلى مراحل ثلاث:
المرحلة الأولى تاريخية، كما هي في روايات: عبث الأقدار، رادوبيس، كفاح طيبة.
المرحلة الثانية اجتماعية، كما هي في روايات: بداية ونهاية، السراب، زقاق المدق، خان الخليلي، القاهرة الجديدة، الثلاثية: بين القصرين وقصر الشوق والسكرية.
المرحلة الثالثة تبدأ برواية اللص والكلاب، وتشمل بقية نتاجه اللاحق، ونلحظ أنه لم يصنف تلك المرحلة وتركها دون تحديد صفة مرحلية. يعود تيسير إلى تلخيص أحداث الرواية، ويكون له وقوف سريع بقوله:
لقد اتّهم نجيب محفوظ بالتشاؤم في هذه الرواية بالذات، ولكنه في الحقيقة كاتب واقعي، كشف القناع عن الآلام المعيشة، والزيف الروحي لقطاع هائل من المجتمع"، أي أن نجيب محفوظ واقعي يصور معاناة الهامشيين في المجتمع.يقف السبول عند مجموعة يوسف إدريس "الندّاهة" وعنوان المجموعة عنوان قصة في المجموعة يشير إلى نداء المدينة للآخرين من القرى، وغيرها، فالمدينة جنية تدعو إلى أحضانها، ويتخلى هؤلاء عن مبادئهم وقيمهم وأخلاقهم، كما حدث مع حامد وفتحية اللذان قدما المدينة من القرية، وهي قمة نجاح المجموعة، كما يرى السبول، في حين أخفق الكاتب في قصة "العملية الكبرى" فهي تفتقر لعنصر الإقناع، كما أن الكاتب لم يوفق في الأقصوصتين القصيرتين جدا "المرتبة المقعرة" و" النقطة"، فقد افتقدتا للشروط الفنية الخاصة بالأقصوصة.
ويقف السبول "حول مسألة الإيمان في شعر اليوت"، فيستعرض بعضا من مقاطع شعره للتدليل على أن "اليوت" يمثل حضارة فقدت الإيمان، ويخلص "إلى أن شعر اليوت لا يحمل فرح الإيمان، ولكن يمثّل الاستسلام للمشيئة التي تسألها النهاية فقط، وأن افتراض مرحلة إيمان في شعره لا يخلو من التعسف، إن شعر اليوت وإن بدت نغمة الصلاة في أغواره لهو نسيج واحد من روح تتحسس عمقها ونهايتها"، وهذا ما يقرنه السبول بشعر الصوفية المسلمين مثل رابعة العدوية، وابن الفارض، وغيرهما، الذي تجد فيه روح الإيمان الذي يسرع نحو الذات الإلهية، في قول رابعة:
أحبك حبّين: حب الهوى وحبا لأنك أهل لذاكا
على عكس ما تجده عند اليوت بالنسر الذي لا يود أن يمدّ جناحيه، فيعبر عن الاستسلام للمشيئة، لم يغادر حدود هذه الأرض، ولم يخترق الروح، في قوله:
علمنا أن نكترث وألا نكترث صل من أجلنا، نحن الخطاةالآن وفي ساعة موتنا".
وأخيرا يتوقف السبول عند فيلم سينمائي بعنوان "العار" وهو فيلم ضد الحرب، يخاطب العقل ويخضع الكاميرا للرؤيا - كما يرى السبول - وقبل أن يلخص الفيلم ويحلله يدعونا لحفظ هذه المقولة في أذهاننا، وهي: "لا بد أن نبدي تحفظا هاما، فبرغم أن هنا ضد الحرب، إنه يتجاهل حقيقة أساسية وهي أنه في كل حرب يوجد طرفان: معتد ومعتدى عليه، ومن البداهة أن الحرب العدوانية مشجوبة، بينما الحرب الدفاعية حقّ مشروع، ترقى إلى الواجب المقدس". وبعد ذكره لأهم أحداث الفيلم، يطلق حكما حول أسلوب مخرج الفيلم "برغمان" من الناحية الفنية، فيرى أنه أسلوب كلاسيكي، خال من الحذلقة واستعراض الكاميرا، أو اختيار الزوايا المثيرة، فالكاميرا عند برغمان خادم لرؤياه، تعرض وتعبّر ولكنها لا تقصد الإبهار.


تيسير السبول والرواية
-----------------------





تألق السبول في الرواية بجانب شاعريته الفذّة فكان أن نقش بعميق فكره تلكم الروايات:ومنها:- ـ القارىء مبدعاً
- صياح الديك
- هندي أحمر
- أنت منذ اليوم وإليكم رابط تحميلها
http://www.tayseersboul.com/Word%20Documents/Novel.pdf

تعد روايته "انت منذ اليوم " الذي كتبها بعد هزيمة 1967 المريرة وفازت بجائزة مسابقة "دار النهار اللبنانية للنشر " مناصفة مع رواية "الكابوس" لأمين شنار من أهم الروايات العربية التي تقف في مصاف الروائع الروائية العربية .
بطل الرواية "عربي" وراويها يحمل الكثير من سمات تيسير سبول حسب رأي الكثير من النقاد ، فعبر الرواية يقدم سبول صورة لعلاقته مع أبيه ، وعلاقته بحزبه الذي فصل منه لأنه رفض وصية أحد فكره .
رواية تيسير سبول بالاضافة لقولها عن علاقته بأبيه وبأسرته وبتنظيمه الحزبي تصور الهزيمة العربية بكل تجلياتها المادية والمعنوية لتدين المجتمع العربي بأكمله وتحمله بالتالي المسؤولية .
لا يمكن ان نقول عن رواية "انت منذ اليوم " انها بكائية على وطن ضاع ، ولكنها تعري المجتمع وتفضح المسكوت عنه من ظلم وبطش .
وللسبول من القصص القصيرة "قصة هندي أحمر " التي تروي قصة شاب يرث عن أبيه كرهه للهنود الحمر ، وحبه للنساء البيضاوات وصالات السينما وعندما يموت الأب يحصى الابن التركه ويرحل إلى بيروت حيث يجد هناك ما يبحث عنه .
أما في قصته الاخرى "صياح ديك "والتي تقع في ست وعشرين صفحة من المقطع الكبير فانها تعالج قصة مسجون مفرج عنه يستقبله صديق له في وقت الافراج عنه ليكتشف بعد خروجه من السجن الدنيا بشكل جديد وان كل شيء قد تغير ويدين سبول في قصته الجري وراء الدعاية الرأسمالية والمظاهر الخادعة .




تيسير السبول والشعر
-----------------------



واضافة لما كتبه سبول من دراسات وانطباعات نقدية وسياسية وترجمات يقف الشعر في صدارة ما كتبه فديوانه " أحزان صحراوية " الذي نشر عام 1968 فان الحزن لا يترك أي حرف من الديوان دون ان يسكنه .
ولأن تيسير سبول شديد الحساسية لما يكتبه فان رغبته في انهاء حياته مبثوثة على صحفات الديوان ويعبر عنها من خلال اليأس وعندما توقف سبول عن كتابة الشعر علل ذلك بقوله :
" جميع الشعر الذي يكتب لأمة مهزومة ، هذه الأيام هو غثاء ، ولا أريد ان أزيد على أكوامه غثاء آخر " .
الاديب سبول على الرغم من كثرة النقاد والباحثين الذين ولجوا ادبه وشغلوه،الا ان الباب المتعلق برسائله ما زال بكرا تماما ،وكما هو حال خلوّ الساحة الثقافية العربية والاردنية من كتاب متفرد حول ادب السبول الروائي يبين من خلال كم الدراسات التي كتبت عن روايته الوحيدة اوجه التجديد ومواطن قوتها،فكذلك الامر فيما يتعلق بمراسلاته التي تكشف نظرته بجذرية لمنظورات ومفردات الحياة التي اغلقها السبول وراءه ،وهو اهم من حمل سفينة الادب الاردني لشاطىء التجديد بلحظة تراجيدية ما زالت متوقدة في ذاكرة كل من عرفه،وتلك اللحظة هي لحظة انتحاره.


مراسلات تيسير السبول
-----------------------

مراسلات تيسير السبول لاصدقائه ولزوجته ، تعددت عبر اسفاره التي يمكن ترتيبها على هذا النحو: «بيروت ، سوريا ، بيروت ، السعودية القاهرة ، وفلسطين» ، وابرز تلك المراسلات مع صديقه وتوأم روحه الاديب صادق عبدالحق ، الذي صادقه منذ العام 1955 ولم تنقطع صداقته واخلاصه له حتى بعد غيابه الذي اختاره السبول بطلقة لم توقظ الموتى على حد تعبير د. مي اليتيم زوجة تيسير سبول..
من رسائل المرحوم تيسير السبول لصديقه صادق عبد الحق
الرسالة الأولى
"فليدق الله عظامكم وليحسن الدق "

عمان في 9 ـ 10 ـ 1967


ايها الصديق المرمي بعيداها ان حلقة الشيطان تطبق يسمونها بالانجليزية Vicious Circle الحلقة الشريرة ، نعم ، عمان في 9 ـ 10 رسالة حزينة وبعد غد الكويت في كذا او الخ رسالة حزينة - ان الله القدير وحده عندما يتكفل بقصف رقابنا الهشه غير الجيدة الحياة ، نعم وحده ينهي فراغ خلقه الشر.

عندما كنت في البحرين كنت دائم التأثر بمنظر قارب مهجور على شاطئها حيث كنت اتسلى - لا بل اسلي النفس وفي ذهنك ان لم يكن في مقلتك عجل كاوتشوك على شاطىء وذات امسية كئيبة في الرياض اجهش صديق بغصة حلق فقال: قال الصديق:بكل تداوينا فلم يشف ما بناعلى ان قرب الدار خير من البعدويعلم الله ان الحزينة التي وعدت بيوم تفرح فيه فقدت اوانها ويعلم الله ان الشيخوخة على الابواب فهلا اعطتها الحزينة الوعد الحق.

استقالتك (1) قبلت ، هكذا اخبرني فاروق الذي قابلته بعد قليل من استلام رسالتك - رئيسك يرغب في ان يرسل جوابها لك مباشرة في الكويت ، ها انني احاول بدوري الانتقال الى جهة ما في العالم - ربما الى الكويت حيث لا ذباب في المطار ، الحمد الله يا ربي اذن على اللاذباب الذي انعمت - مرسي((2يا ربي. ربما الى جهنم العراق التي كانت امي تتمناها لي في شقوة طفولتي ـ اعتقد ان السيدة العراق مناسبة جدا.

المشكلة يا سيدي الاخ الحزين والحبيب انها امسية شتائية - وفي الشتاء تبدأ قدمي تتفكر ورأسي يقوم باعمال اخرى والله لا ادري كنهها تماما انما هي من فصيلة: احلام - تأمل - كسل - دور الركود الشتائي عند الضفادع وما شابه.انت ترى، اكتب لك متأقلما مع كونك غائبا. متأقلم تعبير سخيف ، اعني انا اكتب وانت حضور غائب معترف به ، في فمي - انا لا اتحدث عن غيابك بل انني لا اتحدث الا عن غيابك فبعد رحيلك الذي تموضع نهائيا ورحيل قطعة كبدي الجيدة المذاق الصغيرة محمد زيدان وبعد تلك الكوكبة الممتازة من فرسان الحزن الشجعان الذين عبروا بسنابك خيلهم طريق قلبي البري ، بعدكم ها ان الحياة كلمات كلمات. فليدق الله عظامكم وليحسن الدق يا ربي. احب ان تحملني عاصفة فتطوف بي فوق حقول الزيتون المغبرة - لا ارض لقدمي المفكرة العظيمة.وبعد: فإن شهادة حسن السلوك قد ارسلها جودت (3) ، ها انت فتى حسن السلوك وحسن الطلعة ولكن: حسن طلعتك ايه من غير صديق يهواك (4)؟الشتاء يدق الباب - اقتربوا ايها الاصدقاء - الواحد من الاخر اقتربوا اقول - صادق ومحمد لكما حبي مدفأة

الرسالة الثانية
وجودنا كله مر.. مر يا الله ما اشد مرارته"


أخي الحبيب صادق

تحية لقلبك الكبير

بعد قراءتي رسالتك الاخيرة بدقائق كتبت لك رسالة من تسع صفحات لا تزال معي ـ وسأمزقها لانها وتر مشدود قاس.واما الآن فلعلي في لحظة تعادل. فالاحرى اذن ان اكتب لك نموذجا مختلفا لا حبا في التجديد بل سأما من التكرار.احزنتني رسالتك في وقتها.. بدوت لي جد بائس رغم انك لم تكن متوترا.. والآن يا صادق في هذه اللحظة بالذات - والساعة تقارب العاشرة مساء - وانا استمع الى موسيقى كلاسيكية لا اعرف اسمها. الآن افكر بقليل من العمق بحياتي وحياتك اعني الجانب المرتبط منهما... فأجد ان تلك الصداقة الرائعة التي شدتنا الى بعض ، تلك المحبة النادرة الوجود ، كلها كانت اشبه بسمفونية شوبرت التي لم تتم. ولاعد الى ذهنك ان سمفونية شوبرت الناقصة لم تترك هكذا بدون نهاية لان الموت عاجل شوبرت - كما يظن كثيرون - بل لانه هو لم يرد ان يتمها... ولكن على اي ضوء احكم بأن صداقتنا الرائعة لحن لم يتم؟لقد كنت اتوقع واريد من اعماقي ان تكون خاتمة تلك المحبة هي حياة مشتركة... لا يهم جزيرة سعادة او مكتب محاماة مشترك - او مزرعة مشتركة - او دكان اقمشة او خضراوات مشترك غير ان الواقع انحسر عن غير هذا.. انا ادرس الحقوق هنا ، وانت تفكر في الدراسة بالقاهرة او المانيا او من يدري.. لقد استسلم كل منا لواقعه وسار في الطريق اللاانتمائي رغم انه في جوهره متطرف في لا انتمائيته.. نحن ادركنا من غير ضلالة او تزييف كم هي تافهة الحياة - والامل والسعي الدائب لتحقيق النسبيات - ورغم ذلك نحن نسعى وراء حياة من التي يسمونها كريمة او متوسطة او... الخ"قال المذيع الآن ان الموسيقى الكلاسيكية هي لباخ"آسف لهذه الجملة المعترضة واعود:ان الامل جد ضئيل في ان يجد كل منا شخصا يعوض الآخر... ومن هنا سأظل اشعر بالاسف - وهذا الاسف تنقصه الايام - لفقدي لك ، واظن الحال معك تشابه.

اذن: فقد التقينا ذات مرة - وكان لقاؤنا حادثة لها اهميتها عند اثنين في حالة سقوط مريع ، وهذا ما شدهما بعنف.. وعندما اموت اعتقد انني سأتذكرك واتمنى بشدة لو انك عندي تلفظ انفاسك معي..لماذا؟ نعم الا تتساءل: لماذا بقي هذا الالتقاء السقوطي المريع سمفونية ناقصة؟استطيع ان اجيب على القسم الذي يخصني من السؤال ولست واثقا من ان جوابك مشابه ام لا.كنت ولا زال على استعداد كلي لرفض المستقبل كله ، والدراسة واحلام الزوجة والفيلا والسيارة الخ...لو انني وجدت في وضع خاتمة للسمفونية خلاصي الكبير.. ولكن يا صادق - يا اروع الناس واحبهم.. انت قلتها.. سيدخل السأم حتى الى جزيرة السعادة..رغم كل هذا فإن تحقيق حياة مشتركة يبقى من اعز امنياتي.قلت في مطلع رسالتي انني شبه متعادل - غير انه من الصعب عليّ ان اكتب لصادق وابقى متعادلا - لان صادق ليس شخصا عاديا في حياتي ، حتى حينما يسخف فلست ادري لماذا احاول ان اعطي سخفه معنى عميقا واتأمل بمحبة واسف محاولا تمثل وضعه وهو يقرض شعرا يا رب سيجارة اشعلتها بيدي طارت وفي القلب دخان.هكذا كانت سمفونيتنا يا صادق الحبيب - وهي قصة مهما تآكلت بفعل السنين فسيبقى منها ذكرى لانها ليست بالمأساة اليومية العادية التي يمكن اعطاء حلول لها - انها كابوسنا المريع الذي فتحنا اعيننا عليه دون ان يفيق منه:الحياة ليست احب العبارات التي مسخها العشاق بتفاهاتهم - لكن الفراق مر

والموت مر

وكل ما يسرق الانسان من انسان مر

والحياة مرة

والملل - والليل - والوحدة - والضياع اشياء مرة

وجودنا كله مر.. مر يا الله ما اشد مرارته.

وريقي هو الاخر في حلقي مر.

لا يحق لاحد ان يحكم - ان الرب هو الذي يجرجرنا في الدروب التي يختارها. هل قرأت هذا؟ هل يمكن لنا ان نحقق راحة الاستسلام واليأس.. ونترك ذواتنا للرب؟؟ لقد فشل تفكيرنا كليا فهل يمكن لحواسنا ان توصلنا الى الحقيقة التي وراء كل ظاهرة: فلأردد جملا موسيقية واقول مع وليم بليك: «حين تطبق الكهوف على الفكر فإن الحب سيبعث جذوره حتى في اعمق اعماق الظلمة... من يدري؟»

كل الفاظ الوداع مرة

والموت مر

وكل ما يسرق الانسان من انسان مر

كم رددت مرارة حجازي وبدلت كلماتها

الكراهية مرة.. والحب مر... الفراق مر - مر - مر - مر - من حسن

حظنا اننا نموت يا صادق لان الموت آخر مر نتذوقه.. ثم... اللاشيء الكبير..فليوفقك الرب يا صادق.. وليحفظك لسن الستين ليقلل الرب من ضياعك - ويساعدك على تحمل وحدتك وبأسك المتغلغل - وليخفف من تمزيق انياب الوحشة لك.. ولينق المساء امام عينيك من الدخان والغبار.. واعذرني يا صادق الحبيب لقسوة الفاظي.

المراسلة مرة

والموت مر

وكل شيء مر .


الرسالة الثالثة

"لا شيء في القلب سوى الريح المعولة في الخارج"

الحبيب صادق

تماما وكما يمكن لقلبك المشعشع بالصفاء ان يعي يكتب المرء لصديقه الطيب حين يفتقد ما هو رمزه.ولو كان الحزن عميقا - او لو كان في القلب قدر جيد منه لكتبت اذن بحنو زائد.ولكن.. لا شيء سوى الريح المعولة في الخارج - اتلمس بعض صدى ولكن لا انه لا يوجد.لو كان الحزن يخيم (يزرع خيمة) في جناح روحي الهادئة لكتبت لك عن الندم ازاءك... ولكنك ايها الغالي (الغالي في المآل ، رغم النسيان الذي يبتعد بك كثيرا.. والصفاء غير المشعشع الذي تسير اليه روحي الان والذي هو ضد ذكراك) ـ ايها الغالي قلت واقول - انادي بخفوت دون مس من اللهب للتو ، او بعد ساعات من خصام مع الاحمق (رسمي طبعا).جلست هادئا ساكنا صافيا دون شعشعة.والريح معولة في الخارة ولا صدى. اقول ان ذكراك يطيب لها ان تأتي هادئة هي الان.وانت صغير الحجم تنسل في مجال العقبة الغريب وتدفىء نفسك ولا بد تنسى وننسى نحن ـ وهكذا ايها الصديق فمحور الخلاف بيني وبين الاحمق كامن في هذه الزاوية بالذات.هل نسير طائعين مع الآنية ـ بمعنى ـ هل لأننا ننسى الان يجب ان لا نستسلم لداعي التذكر الذي يهيب بنا ان نبقى ممهدين الدرب امام الاشياء الحبيبة حينما يخطر لها ان تفقد ـ هو ـ يقول لا... اعني ضميره الاحمق يقول ـ لا ـ .والآن بدأت قطرات من المطر تتشكل مع النافذة وكما وددتُ ان اكتب ـ على نافذتي ـ ولكن تنبهت ونكصت. وانني اهدي لشفتيك الارجوانيتين النضرتين بذكراي ـ حبي ـ عن ـ السيد ـ هدوء قلبه.


الرسالة الرابعة
جلست الى مكتبي واستوعبت حياتي كلها في برقة واحدة"

الصديق الطيب صادق

انما في وضح الظهيرة تسقط علي رسالتك ، حيث يكون التعاطف سائخا لا يحبه احد. وكان العطاء الوحيد امنية لو انها جاءت في امسية الحياة البدائل وهذه الامور الشديدة الدقة. عجبا والله.تأتي رسالتك على حين اخيك (انا) اتخبط في سلسلة من القرارات المفاجئة المربكة ، حيث اضناني التفكير الممنهج بسبل الدَيْن لانني لن استمر في حياة معلقة ، لانني اكره كل هذا واحب كل ما هو سواه نكاية والله من بعد قصة عذاب سخيفة طويلة مملة. وهكذا ستراني عندك في مطلع الشهر القادم وقد بدأت منعطف حياة جديدة محملا بمشاكل ظهيرية بالدين والعمل الجدير غير المحدد. لتحل اللعنة على عظامي ان كان قد عذبني امر في العمر كما عذبني الظهر وامور الظهر التافهة في ابيضاضها.النغمة الحبيبة الاسيانه التي تنسل من سطورك الحزينة يا قلبي افضل الف الف مرة من صفاقة البحث عن النقود واشباهه - ستقول لنفسك تراه هذا الرجل نسي طعم الحسرات كي يتحدث بهذه الطريقة؟ لا والله يا اخي - انما الضيق الضيق يفجر دماغي.انت قد وعدتني وقد اقتنع دماغي الملعون ان عليّ ان اتأخر شهرا اخر ، وفيما بعد جلست الى مكتبي واستوعبت حياتي كلها في برقة واحدة ، كان المكتب امامي اسود اللون ملعونا - الى متى؟ الى متى؟ ما الذي تفعله انت يا هذا؟ لو انك فيما بعد ترى الى الطرق التي اتبعتها لكي احصل على بعض النقود... وبسرعة لكي انسف الجسور من ورائي قدمت طلب اجازة هو في الحقيقة استقالة وبدأت استدين..ان افهم تماما اين هو الصواب واين هو الخطأ... ولا زلت هكذا انا.ويا اخي ليت الصفاء يفرش قلبي الان.. انني لا اعرف كيف اكتب لا اعرف البتة والله.. استودعك الله. ربما اكتب لك ثانية.. اكتب لي انت وعفو قلبك من اجل رسالتك المسكينة.

الرسالة الخامسة
" يبدو ان سوء افتراض عام مفاده ان ما يكتب يجب ان يكون حارا او عظيما او ما شابه"

اخي العزيز

كتابة الرسائل مهمة عسيرة على كل الناس. هكذا لاحظت اخيرا حول نفسي وحول اصدقائي - وغيرهم. لكن - يبدو ان سوء افتراض عام مفاده ان ما يكتب يجب ان يكون حارا او عظيما او ما شابه - هو المشكلة وهذا خطأ.انني اكتب لك الان وليس في ذهني اي شيء تقريبا ، ما عدا انه غير معقول ان نظل هكذا صامتين. امس قرأت رسالة من محمد الى جودة يقول بها انك تخشى ان يراك احد في الكويت فيسألك (لماذا انت هنا؟). احدى ملحك الجميلة. وكان محمد يتحدث بطريقة هادرة حول تعقيد الحياة والعمل - الامر المفهوم جدا طبعا - وكان اجمل ما في كلامه الحديث حول بقالية ما امتلاكها خير من وظائف العالم كله - وهذا ضمن الصورة العامة لماضي الاحلام وحقيقة اللاانسجام مع الحياة امر وارد للغاية. عودة الى جزيرة السعادة. لقد فكرت بان احثكما على جمع مبالغ من المال تكفي لحكاية ما من هذا القبيل. والحق انني كنت افكر في تجارة الارانب. ومعها طبعا بعض الدجاج والبقر وما شابه.حدثني عن مثل هذا بأقل بلاغة ممكنة ارجوك.. حبا بأخيك بأقل بلاغة ممكنة حدثني عن مثل هذه الامور.اظن بانك قادم في شهور - اليس كذلك؟.. انني مشتاق لك ولمحمد ولرسمي - والمؤسف انه شوق بلا لوعة.. ولكن فعلا مشتاق ، واكتب لي عن حياتك اليومية ومشاريعك الفكرية والشعورية فأنا بعد اتعامل بهذه الاشياء.عن شخصي ، فان الاكلين بعد ان ينهشوا من حقيقتي. وانني بعد محسوب متدربا عند صليبا (8) ولكن عنواني في الحقيقة عمان ص.ب 6165 ودعك من حكاية مركز البلدة فهل كل الوقت للدعابة.انني احبك كثيرا وتعلم ذلك جيدا..

الرسالة السادسة
" من يعطيني رصيدا مطلقا من الغفران"

ايها الصديق

هذا المساء - احبك واذا وفدت عليّ رسالتك في الغروب الرمادي ان احسنت وفادتها ، انني احب اللغة ، هذا المساء ايضا.وقديما ، اذكر ، كنت استشعر الحنين للحزن عندما ارى جمالا ما يعبر - وهكذا فأنت تدرك حزني هذا المساء. لا ليس هذا هو الامر تماما رغم انني حزين وموحد هذا المساء.كان رسمي معي عندما وفدت رسالتك في الغروب وكانت زوجة - ابو وليد(10) الذي حمل رسالتك فقرأتها بصوت مرتفع دون تردد للجميع - سعد الجميع - ولسبب ما بدأ الحزن يقطر ثانية اذ نزلت الشارع وعدت.انهم يحبونك طبعا - جميعهم - دون استثناء وعلى درجات كما تقدر تماما انهم لطيفون جميعا وحزانى ايضا لعلهم.بالطبع ان في رأسي افكارا مسبقة كانت تجتمع متهيئة لتخلق عبر العضو المفكر فيّ اذ عدت من الشارع عازما على الكتابة.كنت اتذكر مقولتك: لا بد ان يفترق كل اثنين يوما ما. شيء من هذا.انك مخطىء ايها الصديق لا في المقولة ذاتها ، ولكن للنتائج النفسية شبه الموضوعية المحملة بالخيبة لهذه الحقيقة.ان في رأسي لفكرة جوهرية:اقول: ان خطأ لا مرئيا هو الاهم عبر هذه السخافة المسماة حياة.

ان الامكانات هي المهمة على كل نحو قلبتها. ان هذا ليسعدني بحزن ، فاذ يفترق وهكذا ترى.اثنان محبان على منعطف ما (حتى بالمعنى الآخر الذي تفكر به) فان امكانات محملة بالجمال الحزين الملحاح المبهج المبكي ستولد - وسيكون هذا كله جمالا في جمال - ان كل شيء جميل تحت السماوات ايها الصديق ولعلي مخطىء ولكن: قليل من الخطأ لا بد منه دائما.خرج رسمي شبه مدحور من منزلي - منزلي الجليل له جنينة وله فرندات ايضا - اذ خرج رسمي في عتمة المساء المتكاثفة - انت تعرف تقطيبة رسمي ذات الحركة المألوفة المدحورة وخرج الجميع وعدت وقلت لنفسي: اريد ان اكتب.اقول: بالطبع احب رسمي كثيرا ، لا استطيع ان لا اكون الا محبا له وانني لا سر لك ما لا يجرح قلبه العاني المسكين - احبه واشعر ان جزءا من تكويني الخاص المحبوب قد لصق به - ربما الى الابد. لا خير في قبلة طاهرة كهذه اليس كذلك؟لا اقصد شيئا والله ولكنني اغفلت ان اقول بان مسكني الجديد هو في عمان في جبل اللويبدة وله جنينة كما قلنا.قحطان كان معي هذا الصباح. لعلي اغضبته اذ ودعني في الظهيرة. هي ذي قصة لعينة لا تنتهي.

اغضابي للناس اعني يا من يعطيني رصيدا مطلقا من الغفران فأشرح له قلبي هدية متواضعة.كانت معه فتاة وكان يود ان يتسلى وبدوري كنت محتاجا للتسلية فلعلي اغضبته ، مجمل الحكاية تحدثت غامزا عن الزواج ملمحا لضرورته فأخذته البنت الملعونة قصة جدية - وقحطان من هو ليتحمل هذه السفالات؟انني لارغب في الانعتاق قليلا من اسار هذه اللحظة الملهوجة لأكتب شيئا مستقرا.اخبار مثلا: رسمي قدم فحص الاذاعة وكذلك انا وكنا من الناجحين - هذا يعني ان نعمل معا حسنا ان زوجتي ترى غير هذا ولا ادري نهائيا ان كنت سأقبل في الجامعة خلال اسبوع لأحظى بعمل.ابو صخر(11)عندي كان امس واول امس. ان سلوكي المرخي دون اكتراث لا يرضيه ـ ان بقاء حبه لي مشروط بأن نبقى بعيدين لان عالم روحي قد تشكل وانتهى ومنذ الازل كما تعلم - انه ليرضيني جدا ان يستلمني كيميائيو الحياة ويصيغوني امرءا رضيا مرضيا عنه فالحق انني سئمت كوني محبوبا لجلسة او جلسات متباعدة. ان توحيدي لا حد له انك واحد من بعض صوى قليلة تلوح في الافق كأنها تومىء لحد ما - وبالطبع فانت تدرك ان هذا هو سر كل الحكاية ولكن بحق السماوات الن تنتهي هذه اللوحة الابدية. اقصد القول لا تنزعج اذ تدرك هذا في لحظة اطراق مطلقة (وكنت دائما على صلة بالحقيقة اياها). فالعلماء الممتازون (تعبيرك) يقولون ان حزن المساء مفهوم كالمعادلات الحبرية. وانت اذ تبكي امام الجمال المطلق - المرأة - اقصد اذ تستشعر البكاء فليست هناك ظلال اضافية حول هذه الحقيقة ايضا نعم ، نعم ، اقول ولكنني احب الحزن النبيل احبه جدا.هذا يثير في ان اقول: بودي لو اهداني زيدان تحياته (اشكر محمد رشيد لتحياته طبعا) ولكن تحيات زيدان لماذا هي ربما؟ الا تراه؟ ان زيدان لواحد من افضل خلق الله الماضين والمستقبليين.فعلى درب رسالتك الطويلة هذه اضعت حزني - انني اتماثل للتعادل - لم اقل شيئا عن ليدا، كتبت لها رسالة تافهة؟ هو كذلك لا تأسف كثيرا حول هذا الموضوع. فانا ننتظرك مشوقين - واليوم قبل رسالتك كنا نعد اياما ونتساءل: متى يعود صادق وكما نقول لقد شاقنا صادق وشقناه - كنا نقول.عمْ ظهرا ايها الصديق.. انه اليوم التالي وفي الظهيرة تاريخ 11 الجاري بعد كل ما اسلفناه من قول نعتقد ان ما قلناه هو حق ولا يتلبسنا ايما ارتياب حوله.

ان ظهيرتنا هذه هي حق ايضا وامامنا 25 سنة قادمة وربما تريد في كل واحدة منها 360 ظهيرة ذات خصوصية ولو لم تكن مميزة جميعها.رأيت قحطان صباح اليوم وكان يفكر انه عليه تحديد هدف ما خاص بحياته ونصحته بالدراسة الجامعية. كان عليّ بعد ذلك ان اتركه بحثا عن نجار ليصلح ما فسد من اثاث البيت بسبب الرحيل.واذ اسر اليك انني اضعت تعاطفي بسبب البحث عن النجار فغفلت عن قحطان الحق ان انسانا بالغا راشدا مثلك ، لا يقيم كبير وزن لهذه الامور والامور الكثيرة الاخرى المماثلة.ايها الصديق: انني انصح قلبك الطاعن في السن بمزيد من اللااكتراث وفي نفس الوقت بمزيد من الدراسة (12) انصحك وليقبل الحب نفسه خديك.والله الموفق

الرسالة السابعة
"هل نملك خلاصاً روحياً مشتركاً؟ هل نملك ان نعمل معاً شيئاً من جزيرة السعادة؟"

اخي الحبيب

23 ـ 12 عمان

وجدت بطاقتك على مكتبي. كنت عائدا من القاهرة. استمر واثقاً من ان بطاقاتك وكلماتك لها دائما اثر عميق جداً في نفسي.. ومنذ فترة طويلة وانا اخشى انك قد تسيء فهم صمتي وربما مرة اخرى يخطر ببالك شيء مثل (وتعلم انك لم ترحمني قط..) تلك الجملة التي احزنتني وتظل تفعل. اريد ان اقول فقط انني متعب ، انني مفترش ومن الصعب عليّ حصر القضايا والمشكلات التي تتعاور قلبي هكذا. ان غيابك بعض من الاسف الثقيل الذي يستقر في روحي ، وانني كما تعلم مفرد تماما - اعني روحي..في القاهرة التقيت بمي طبعاً ، بالاطفال الاعزاء طبعاً وبصديقي فؤاد التكرلي وتعرفت الى عدد من الادباء ، وعدت منذ اربعة ايام للاسف فقد مرضت آخر يومين وما زلت نهب الانفلونزا..رسمي هنا. لقد آذى روحي جيدا وبتخطيط. رأيته ثلاث مرات وكنت اريد ان يؤذيني ففعل ثم انقطع عني. اننا ضحيتان بائستان لقوى غامضة رهيبة واشعر الآن انني لا احبه ، ولا احب نفسي بشكل كاف ولو كنت انت هنا فانك الوحيد الذي يمكنه ان يقيم لنفسي شيئاً من العزاء الضروري.ارجو ان تشكر عني الاخت نوال (14) لتحياتها وارجو ان تبلغها احترامي ، وبالنسبة لك فلا تسىء قط اي صمت آخر قد يبعدني عنك. اذا كنت مرتاحاً فاكتب لي. ان ذلك أمر حسن.

اخي الحبيب

مؤكد ان صمتي لا يغتفر وكذلك صمتك والآخرين..والمشكلة ايها الاخ ـ ولا بد انك تعرف ـ ان المرء بات يخجل من الشكاة حتى للصديق الذي يعرف ان هناك شكاة ومرة جداً.والمشكلة الاخرى انني وانت ورسمي نعرف اشواقنا المشتركة ونعرف التيه وانا اعتقد انك تعرف سلفا كل ما يمكن ان ازجي من مرارة وتوحد.. الخ ففيم اذن؟هل نملك خلاصاً روحياً مشتركاً؟ هل نملك ان نعمل معاً شيئاً من جزيرة السعادة؟ هذا فقط هو التساؤل المهم ومطلوب الاجابة عليه ـ لأن العمر بدأ بالاختفاء.. ام ان هذا الكلام يبدو عاجزاً ومضحكاً لرجال جاوزوا الثلاثين او يكادون.الانسجام مع الحياة اليومية، تلك قصة غير معقولة بالنسبة لي ، اين هو ذلك الزنبرك الفلتان؟ الله وحده يعلم.. ولكن ما الذي يمكن عمله؟ هل تعلم؟ مزرعة مشتركة، ما رأيك؟؟ بقالية؟؟ فندق؟ صياغة؟ وطبعاً هناك المشروع ذو الجلال المضحك اعني العبور الى مملكة الموت الاخرى - جزيرة سانت باول الاخرى؟ ها؟ اين هو صديقي رسمي واين انت؟ كيف هو محمد هل يعمل معنا في المزرعة او الفندق او الخ...طبعاً هناك اخبار عتبة (15) ورواية صغيرة كتبتها واخرى اكتبها وانقطعت عنه ، وعيني المريضة اشرت لمحمد عنها ، اكتب لك الآن مغمضاً العين اليمنى ، انها مسائل عجيبة لا علاقة له بالموضوع - الذي هو المزرعة او الفندق او الخ..شجعني بالكتابة مزيداً ، واكمل نقص هذه الرسالة مما تعرفه في قلبك عني وفي ذهنك الحبيب طبعا.

الله يحفظنا جميعاً ويوفقنا



الرسالة الثامنة

صادق الحبيب (16)

اذا استمريت امزق كل ما اكتب اليك فان قطيعة غريبة ستمد ظلها فوق كلينا. هذا ما يملؤني تصوره اشمئزازا.مرتين. رسالتين طويلتين ثم امزق..ما هو كائن يجب ان يكتب بطريقة ما تعيد حالته في ذهن صديقك الذي سيقرأ كما انه شاهد على ما هو كائن.وصديق ابن عبدالحق شكا من ان «اين دمك يا تيسير» والحق ان تيسير لن يستطيع ان يجعلك تتنفس نكهة دمه ربما.. ربما.. هو لا يدري."الفو سافوا" (17) ذلك خير ما جاء في رسالتك والله هذا رائع رائع بحيث لا يصدق. شيء من هذا القبيل دائما. واللذيذ ان لا احد يعرف لماذا في قلب سوزان بكاء فهي كما ترى سويسرية نشيطة الملامح وشاعرة وتخرج في الامسيات مع boy friendوتحتسون من البيرا ما قدر الله.ومع ذلك ، ذلك كله في قلبها بكاء يا حرام.الحكاية طبعا ليست سوزان ، فهي تبقى مجهولة بالنسبة لي اولا واخرا ولكن قلبها هذه القطعة المدللة من اللحم المبلل بالدم فيه بكاء. المهم قلب فيه بكاء وعليه ان يضحك «الفو سافوا».. وفي المآل لتذهب سوزان ان ارادت الى الجحيم لكن تاركة - هذا القلب الصغير الشجي.. يا مغرورا - .والحق انني احببت «داريل» اكثر مما استطعت ان احب دزينة من عشيرتي وذوي طيلة عمري ، والحق ان في قلبه نشيجا اكثر اخلاصا مما حملت قطعة اللحم المدللة الخاصة بالانسة سوزان.. وشكرا لقصيدة «المدينة» الرائعة بالانجليزية اكثر منها بالعربية او هكذا احسست.

Ah don't you...?

Yes I do, I swear I do

ولكن.. «الفو سافوا» قالت الانسة suzan واما ما كان من السيد والسيدة

ماكبث فانت تعرفه.

What is done is done

What is done is done can not be undone

كل هذا يعني نفس الشيء. يعني ان في الخاطر الما ما لسبب ما او لغير ما سبب ما.. هكذا المهم هو الاسى او الشيء الذي من هذا القبيل وليس شرطا ان يقترن باليأس او السخط فهو قد يمطر مع الصباح المولود حديثا وقد ينغل في عظم البهجة اللاكاملة وقد يداهم في اية لحظة وقد يغيب اسبوعا او شهرا او عاما ولكن يعود وجهه مشفقا وممروضا غير انه رقيق صاف كأنه عصير اله مقطر..

No other please always this

هذه حقيقة الاسى الذي حاولنا دائما الامساك بعرفه لنذبحه في عيد الصغار الممجدة جباههم حاملي امانة التاريخ ، ابنائنا. هو عصفور صغير ليس مهما بذاته بل بجنسه مهما ذبحته فهو عائد باذن سلالة خالدة من دمه عائد بنفس الوجه المشفق الرائق الصافي الحنون والملوح..لا تظن ان الحكاية بعمومها انني مسحوب خلف داريل في كل هذا.. لا... هذا دم يا عزيزي دعني فقط اسألك: هل انت آسف لهذه الحكاية؟بالنسبة لي: انا فقط احيانا اسف من اجلها.. اما عموما فاتقبل بنوع من الرضى كل ما كان وسيستمر.. بحيث تصبح «الفو سافوا» بحاجة الى تعديل ما... لانه: صحيح ان في قلبك بكاء.. ولكنه بكاء بائت منذ امس امس ، فهو ليس تماما كالبكاء ، وانما شيء من هذا القبيل.. تصبح الاغنية "تعلم ان تضحك وفي قلبك

شيء كأنه البكاء..".

اليك احدث قصائدي..

"من؟"

كان المساء

نهنهة طرية تنسل في مجاهل السماء

وواحدا مثلت فوقه ضجعة الخليج

للحظة منسية بغير ما يقين

تراشقت في خاطري اصداء

كأنما نشيج

انا الحزين ام هي الاشياء؟

خطوة خطوتان

اسفت ان وطئت فوقه مهجة السكينة

اعود والزمان للوراء

من قبل الف دورة وقفت والمساء

نهنهة طرية تنسل في مجاهل السماء

عيناي اين كانتا؟

تناءتا

تناءتا

كنقطتين في الظلام غاصتا

لكنما الفضاء

ينصب - كي يكون - عبر مقلتين

قد كانتا

ما عادتا

ومن بعيد ارجع الظلام نقطتين

ما كانتا

من الذي يرى

ترى انا

ام تلكم الاشياء






وتغنى شعره
-----------------------


أنا يا صديقي ::: ملاّح ::: يا صديق الرياح

غناء غازي الشرقاوي كلمات تيسير السبول
http://www.tayseersboul.com/Music.html




نماذج من شعر السبول
----------------------


لحظات من خشب
----------------

أنا والمذياع
والليلة عيد
والمغّني يمضغ الفرحة في مط بليد ‏
ولفافاتي استقرت ‏جثثا بين الرماد .
‏كنت أشتاق لو أن التبغ في صدري
ذو طعم ولو كان مرير . ‏كنت أشتاق
لو أني ‏لي بهذا العيد أفراح صغير,
‏أو لو أني ‏لي به فجعان ماتم
كنت اعلم ‏أن عيدا بعد عيد بعد عيد
سوف تأتي ‏ثم تمضي ‏
وأنا أحرق تبغا ونفايا ذكريات ‏
وأنا أنظر من شاطئي الصخري في نهر الحياة .

ثلاث اغنيات للضياع
--------------------

‏(ا) ظلام ...
-------------

عيناك ظلام
‏عيناي ظلام
‏عبث أن نصنع ضحكتنا
ونحاول نرسم بسمتنا فوق
الشفتين
‏ما جدوى - ما جدوى
البسمة؟ ‏والقلب تغلفه الظلمة
‏مهما لفقنا وحذقنا
‏لابد ستفجعنا الأيام
‏إذ تجلو زيف حكايانا
‏صدئين سيظهر قلبانا
‏عيناك ظلام .




(2)لحظة وداع
-------------

تدرين
فلسنا كالعشاق
يبكون إذا ما ان فراق
تدرين
وأدري قصتنا
جمعتنا الصدفة ذات مساء
الوحشة تفرش صدرينا
والخيبة تكسو وجهينا
ثرثرنا الليل
‏تواعدنا
‏وكذا عدنا فتلاقينا
والآن سئمت حكاياتي
كل منا سئم الآخر
فلنبحث عن لهو آخر
لن نسفح أدمعنا لفراق
ما كنا يوما كالعشاق.




( 3 ‏) وحيد
-------------
الليل أغان تنتحب
اشواق تهدأ، تضطرب
تتضور روحي فأنادي:
لو أنت تمهلت الليلة
‏لو صدرك يحضنني الليلة
كنا ثرثرنا وكذبنا
‏وزعمنا خيط العتم شعاع
لو أنك ....
لكن وا أسفا
كلّ منا قال وداع.

المستحيل
--------------
لا ‏وعمق السر في عينيك ما كان غراما
وانكفاءاتي ونزفي وأناشيدي اليتامى
‏لم تكن صرخة قيس خلف ليلى
ففؤادي لم يعد للحب أهلا،
‏إنما يسحق قلبي من قديم،
من قديم سعيه الدائب للوهم وشوق للسديم
قبل أن يسمع عن قيس وليلى
‏كان بعد هذا القلب طفلا
حينها انسلت إليه خلسة إحدى الليالي
رغبة غامضة ألقته في مد المحال
‏أن يطول القمرا
‏وبكى مذ شعرا
‏أن سيبقى أبدا في أسر صدري
بعدها لوّن بالمأساة عمري
فإذا هزتك مني يا صديقه
‏عبر صمت الليل صرخات غريقه
فاسمعيها وابك من أجلي ولكن لا تجيبي
فزهور الحب لن تنمو في روحي الجديب أنت
لو جئت سينساك فؤادي
‏تحت وقع السوط ينشق
ينادي يتمنى حب أخرى لا تطال
‏لن تخليه غوايات المحال
‏وكفاني أنني سمّرت
- لم أختر-
لآلالم الصليب فاسمعيني
وابك من أجلي ولكن لا تجيبي

شتاء لا يرحل
-------------


‏على أفقنا تتمطى الغيوم
تجوب ببط ء تخوم السماء
وتوشك تهمس أن الشتاء
تناهى
‏وودع أيامنا
‏وخلف في الأرض أحلامنا
وعودا بخصب
‏ثمارا لحب
‏وعاه ضمير الثرى والمطر .

تناهى الشتاء
‏تناهى الضجر
‏قريبا يطل علينا القمر
ينقل فوق التلال خطاه
ويسكب في عمقنا من ضياه

تناهى الشتاء
‏تناهى الضجر
وأعلم أني أحب الربيع
وأصبو إليه صبو اشتهاء
ولكن قلبي يعاني شتاء
‏يلوح بلا موسم منتظر
احس الدموع به تنهمر
واسمع فيه خواء الرياح
و رجع النواح , شتاء
شتاء

‏يلوح بلا موسم منتظر
وماذا لو أن القمر
تغيب عن أفقنا أو
خطر سواء
‏سواء
‏فعمري شتاء.




أحزان صحراوية
------------------


من زمــــــــانْ
من تجاويف كهوف الأزلية
كان ينساب على مدّ الصحارى العربية
ليّنا كالحــلم سحريا شجيا
كليــالي شهرزادْ
يتخطى قمم الكثبان
يجتاز الوهادْ .

من زمـــانْ
شربتْ حسرة ذاك الصوت
حبّات الرمـــــالْ
مزجتــــه في حناياها
أعادته إليّــــا
ليّنا كالحلم سحريا شجيــا
فكأني قد تنفّسْت شجونهْ
وكأن الصوت في طيّـــات صدري
رجّــــع اليوم حنيـــــنهْ
فأراهْ
بدويا خطّت الصحراء لا جدوى خطــــاهْ
موحشا يرقب آثار الطلـــول .

من زمــــــــانْ
غير أني
كلما استيقظ في قلبي اشتياقْ
لمزيد من تداني والتصاقْ
كلما ضجّ نداء البوح
في أرجـــــاء ذاتي
كلما بوغــتّ أني
أتناهى بانسراب اللحظات
كلما أحسست أني
بعض دفء الآخرين
خلتني عدْت أراه
بدويا خطّــت الصحراء لا جدوى خطاهْ
سار في عينيه وهج الشمس
والرمل وعود برمــــــــالْ
ومدى الصحراء صمت
وعذابات ارتحـــالْ ،
فتغنّـى
وسرى الصوت على مدّ الصحارى العربيةْ
مودعا في الرمل غصّات أغانيــــه الشجيـــةْ








عن...وفي تيسير ...
---------------------

الرمز في شعر تيسير سبول

د لقمان شطناوي

مــدخــل :
يسعى هذا البحث إلى تقديم محاولة متواضعة لدراسة ظاهرة من الظواهر التي غلبت على شعرنا المعاصر ألا وهي ظاهرة الرمز.
وقد تلمسنا دراسة الرمز لدى شاعر غلب على شاعريته الطابع الوجداني وراح يستخدم الرمز في محاولة للدخول إلى عوالم نفسه وهمومها الذاتية. وهو الشاعر الأردني تيسير سبول
وليس من شك أن في استخدام الرمز والابتعاد باللغة عن المألوف واليومي والمباشر ما يحقق قيمة فنية وجمالية ، وقد عبر مالارميه عن قيمة ما يحققه الرمز والغموض من لذة الكشف التدريجي بقوله " تعيينك للشيء هو حذف ثلاثة أرباع لذته، لأن اللذة الحقيقية تكمن في الاستكشاف التدريجي ".(1)
والرمز الذي نجده في شعر تيسير سبول هو ذلك النوع من الرمز الذي يدور حول مواجد النفس وأحوال الذات الباطنية ، وإذا حاولنا كشف المدارات التي تسير فيها رموزه وجدناها تحوم في أعماق الحياة الإنسانية عامة وتسكن في مناخات الحزن والحب والبحث الدائب عن الحقيقة ، رموزه صور من قلق رومانسي ونظرة تشاؤمية تدفعه إلى بحث محموم عن الموت أو عن طريق الخلاص من غابات التيه والضياع ولقد كان العثور على ملاذ آمن وعالم نقي غير ملوث ولا مزيف عالم عابق بالحرية لا قائم على الخوف والسير مع الجدار أو الحلم بالبقاء لليلة هو المسعى الذي لازم الشاعر في حياته ، لقد ظلت محاولاته الدائبة إلى الحرية تدفعه إلى البحث عن اليقين ، لكن بحثه لا يلبث أن يتحول وبالتدريج إلى إحساس مفجع بالوحشة والضياع إلى قهر ومرارة ليمتد هذا الإحساس فيصبح حزناً ينقض نسج القلب ويمتد منه إلى ما لا نهاية ، ويصبح الموت بعد ذلك وقبله آخر المغامرات المنتظرة .
لغة سبول في التعبير عن مشاعره لغة حادة متوترة والفكرة لديه تتحول مع ما يغلفها من رمز إلى فكرة عابقة بالعمق والإثارة يحاول بها الشاعر أن يصل إلى الذات ويقف على تفاصيل الواقع ويثور على ما فيه من فساد وتخلف ، أما اختياره لرموزه فيقوم عن طريق التفاعل بين الذات والواقع .

الـرمــز :
مـفهـومـه ومـعـناه :
ورد في لسان العرب أن الرمز هو تصويت خفي باللسان كالهمس ، ويكون تحريك الشفتين بكلام غير مفهوم باللفظ من غير إبانة بصوت إنما هو إشارة بالشفتين والفم ، والرمز في اللغة كل ما أشرت إليه مما يبان بلفظ بأي شيء أشرت إليه بيد أو بعين (2).
ولا تختلف هذه الدلالة عند بقية المعجميين العرب القدماء ، أما في معجم دوزي وهو من المعاجم الحديثة فانه يعرف الرمز بقوله " رمز ، أومأ وأشار ولم يصرح ، وهي من صّرح ومنه قصيدة مرموزة وهي يؤمأ فيها إلى الأشخاص والأشياء إيماء خفياً… ورمز : كناية تلميح مجاز استعارة وحكمة ومثل يعبران عن فكرة أو عاطفة تلميحاً، ورمز رقم علامة ورمزي مجازي استعاري تصوفي "(3).
أما الرمزية كمذهب أدبي فإن له دلالته المعاصرة فهو مذهب أدبي ظهر في أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر واندثر مع بداية الثلاثينات من القرن العشرين .
فما المقصود بالرمز وما هي دلالته ومفهومه ؟.
لقد تعرض مصطلح الرمز لكثير من الاضطراب والتناقض والعمومية ووردت له تعريفات عديدة .
أصل مادة الكلمة رمز symbol في اللغة اليونانية هو sumbolein التي تعني الحزر والتقدير وهي مؤلفة من الكلمة sum بمعنى مع و boleinl بمعنى حزر .وكلمة رمز مشتقة من الفعل اليوناني الذي يعني "القى في الوقت نفسه " أي "الجمع في حركة واحدة ، بين الإشارة والشيء المشار إليه " (4) .

والفعل اليوناني يوحي بان فكرة التشابه بين الإشارة وما تشير إليه عنصر أصيل في بناء الرمز وهي تعني " شيئاً ما يشير إلى شيء آخر مع عدم إغفال مستوى الدلالة الحقيقية فيه"(5) وللرمز تعريفات عديدة وفق مستويات عديدة ؛ مستوى عام ومستوى لغوي ومستوى نفسي ومستوى أدبي.
أما المستوى العام فهو المعنى العام الذي عرفته دلالة الرمز ، وقد قسم بيفان الرموز إلى نوعين : الرمز الاصطلاحي ، وهو نوع من الإشارات المتواضع عليها كالألفاظ باعتبارها رموزاً لدلالتها "(6) والثاني الرمز الإنشائي ويقصد به نوعاً من الرموز لم يسبق التواضع عليه(7).
أما الرمز بمفهومه اللغوي فيعد أرسطو أقدم من تناول الرمز وعنده أن الكلمات رموز لمعاني الأشياء الحسية ثم الأشياء التجريدية المتعلقة بمرتبة أعلى من مرتبة الحس … يقول " الكلمات المنطوقة رموز لحالات النفس والكلمات المكتوبة رموز للكلمات المنطوقة "(8).
ويقسم ستيفن اولمان الرموز إلى تقليدية كالكلمات منطوقة ومكتوبة ورموز طبيعية وهي التي تتمتع بنوع من الصلة الذاتية بالشيء الذي ترمز إليه (9).
أما المستوى النفسي فهو يشير إلى أن قيمة الرمز إنما تكمن في مدى دلالته على الرغبات المكبوتة في اللاشعور نتيجة الرقابة الاجتماعية الأخلاقية ، ويقول فرويد إن الرمز نتاج الخيال اللاشعوري ، أما كارل يونج فهو يرى أن الرمز مستمد من اللاشعور والشعور ممتزجين .
ويعرف الرمز وفق المستوى النفسي بأنه "أفضل طريقة للإفضاء بما لا يمكن التعبير عنه ، وهو معين لا ينضب للغموض والإيحاء بل والتناقض كذلك (10).
أما على المستوى الأدبي فقد كان جوته أول من حدد بطريقة أدبية وحديثة مفهوم الرمز وهو يفهمه على انه "امتزاج للذات بالموضوع والفنان بالطبيعة ".
وفي مطالع القرن العشرين بدأت محاولات تهدف إلى تحديد مفهوم الرمز ، وحصر بلليزييه خصائص الرمز في ثلاث :
*الرمز هو الطريق لملاحظة الشبه بين ما هو وجداني وما هو مادي .
*الرمز لا يتطلب ذهناً على درجة عالية من التجريد .
*الرمز تلقائي ذاتي وأساسه أن يتعقب الشاعر العلاقات الخفية بين أفكاره ومشاعره بوصفها


عناصر ذاتية من ناحية ، والأشياء بوصفها عناصر موضوعية من ناحية أخرى .
وجاء في موسوعة دائرة المعارف البريطانية الطبعة الرابعة عشرة ،م21 أن الرمز "عبارة تطلق على شيء مرئي يمثل للذهن شيئاً غير مرئي لعلاقة بينهما هي المشابهة".
ومن جملة التعريفات العديدة والكثيرة للرمز يمكن أن نخلص إلى أن الرمز يمر بمرحلتين هما : * مرحلة العطاء المباشر الذي يقدمه الرمز وعناصره مستمدة من الواقع ، ألفاظه وعلاقاته اللغوية ذات دلالات سابقة .
* مرحلة تلقي الإيحاء الرمزي والاستسلام له ، الرمز ليس محاكاة للواقع الجامد بل هو استكناه له وتحطيم لعلاقات الطبيعة حتى تغدو فكرة مجردة من أوشاب المادة .
والرمزية حين ظهرت في الشعر الغربي سعت إلى تحقيق أهداف عديدة ولعل أهمها إعادة الفكر إلى الشعر بعد أن اصبح الشعر زخارف وضعية في شعر البرناسيين وإضاءة الأشياء بالفكر العميق ، ثم إن الشعر الرمزي معبر عن تغير تقدمي وهو تغير اجتماعي أولا فهو تمرد فكري فني ينفجر داخل المجتمع وليس مجرد حركة احتجاج ، فعندما تسد أمام الكاتب والقارئ كل منافذ التعبير والتلقي تبدأ الرمزية والرمز تعمل على تخصيب الرؤية ويمكن الشاعر من استبطان التجارب في الحياة مما يمنحه القدرة على استكناه المعاني استكناهاً عميقاً (11).
والرمز يمكن الشاعر من التخاطب مع المتلقي بشيفرة ذاتية خاصة لا تحدها حدود ولا تضبطها ضوابط تقليدية ، عن طريق الدلالات الرامزة التي تفتح قنوات عديدة لإثراء الانفعال الذي لا ينفصل عن الفكر المصقول (12).
والرمز بمفهومه العام يعني فن التعبير عن الأفكار والمواقف بطريقة غير مباشرة .
وما لا يمكن في وسائل التعبير الأخرى يمكن في الشعر الرمزي لذا فإنه فن التمكن من اللاممكن(13).


الـرمز فـي شعـر تيـسيـر سـبـول
رمـوز سـبـول الـشعـريـة ….
عندما تطالع ديوان أحزان صحراوية نجد أن هناك قوتين تتجاذبان الشاعر وتغلبان على ديوانه وهما قوة الحزن الشديد الظاهر من خلال صور قصائده وإيحاءاتها وقوة الحب الذي أومضت به قصائده ، ولقد شكلت هاتين القوتين الرموز الشعرية التي طفح بها الديوان وظهرت مستمدة من عوالم النفس الذاتية ومتشحة برداء رومانسي ممتزج بنظرة سوداوية متشائمة ، وجملة هذه القوى لا يكاد ينفصل بعضها عن بعض إذ إن الحب متصل بالحزن والحزن متصل بالنفس المرهفة الحس المتأثرة بكل ما يحيط بها ، ولم يكن سبول يعيش بمعزل عن محيطه بل كان يعاني من معظم ما عاناه الشباب العربي من شعور بفقدان للحرية والمرارة العميقة نتيجة المؤثرات السياسية والاجتماعية، ولذا فان سبول حاول أن يعبر عن كل ما كان يعتور نفسه الشاعرة ويصوغه شعراً وشعوراً يجسد الألم وجملة الأحاسيس التي كانت تطارده وتضيق على نفسه .
ومما يميز سبول أن لغته حادة متوترة فيها شفافية وانسياب لكنه انسياب الفلسفة العاطفية اللاذعة حينا والساخرة حيناً، والواقفة على حقائق الأمور والمطالبة بالثورة على مظاهر الجمود والتخلف .
وإذا نظرنا في رموزه وجدناه يستقيها من التراث الديني والتاريخي والشعبي والأسطوري والأدبي ، ولكن سبول يركز على استخدام رموز شخصية ، وفي ذلك يقول "استخدام الأسطورة كرمز أراه مفتعلاً لأننا غير متصلين حقيقة بتلك الأساطير ثمة هوة زمنية وهوة أخرى أهم حضارية تفصلنا عن أسطورة الآشوريين مثلاً … واعتقد انه قمين بالشاعر أن يخلق رموزه الخاصة بصفته خالقا بدلاً من أن يترجم ويتكئ على موروث ميت "(14).


ورغم هذا الرأي إلا أننا نجد سبول يستخدم الأسطورة ويوظفها ولكن بصورة أقل مما نلحظه في اعتماده على رموزه الخاصة ومن ذلك الرموز المستقاة من الطبيعية كما يتخذ من المرأة رمزاً إضافة إلى ميله إلى الرمز عن طريق الألوان والرائحة كما يستخدم مفردات اللغة استخداماً رمزيا وسبول في تركيزه على عوالم ذاته الباطنة وربطه التجربة الرمزية بالجانب الإنساني ، يستخدم الصورة الرمزية ويعتمد تبادل معطيات الحواس في التعبير عن مشاعره وأحاسيسه .
وسنحاول أن نعرض لأبرز الرموز التي ظهرت في شعر سبول في محاولة لتبيان كيفية توظيفه للرمز ومدى قدرة رمزه على حمل الرؤيا الداخلية والتعبير عنها .

الـرمـوز الـشـخصية …
الرمز الشخصي هو ذلك الرمز الذي يبتكره الشاعر ابتكاراً محضاً أو يقتلعه من حائطه الأول أو منبته الأساس ليفرغه جزئيا أو كليا من شحنته الأولى أو ميراثه الأصلي من الدلالة ثم يشحنه بشحنة شخصية أو مدلول ذاتي مستمد من تجربته الخاصة(15).
ولقد سعى سبول إلى محاولة خلق رموز شخصية خاصة به جاعلاً منها محوراً للتعبير عن انفعالات نفسه ورؤيته تجاه الواقع وظهرت هذه الرموز إما من خلال كثرة دورانها في شعره أو حين يتم التركيز عليها في قصيدة معينة .
ومـن الرموز الشخصية التي يستخدمها سبول الرموز المنتزعة من الطبيعة ومن أكثرها دوراناً ؛ رمز الشتاء والربيع والقمر والرياح والجدب والأمواج والشاطئ والبحر والملاح والنسر والكهوف والليل .


• رمـز الـشـتاء …
في قصيدته شتاء لا يرحل نجد الشاعر يستعير جزئيات الرمز من الواقع لكنه لا يبقيها على واقعيتها بل يقوم بتحطيم علاقاتها الطبيعية حتى تغدو فكرة مجردة من أوشاب المادة ويصبح الرمز المحوري الشتاء ذو دلالة مختلفة …وفي هذه القصيدة تتكرر كلمتي (تناهى / الشتاء ) وهاتان اللفظتان تعتبران مدخلاً لفهم النص والنفاذ إلى الفكرة التي تسيطر على الشاعر ويمكننا أن نلمس ذلك من خلال النظر في النص الذي يبدأ متثاقلا بطيئا مؤذنا بزوال الشتاء …
على أفقنا تتمطى الغيوم
تجوب ببطيء تخوم السماء
وتوشك تهمس أن الشتاء تناهى
وودع أيامنا
وخلف في الأرض أحلامنا
وعودا بخصب ..ثمارا لحب
وعاه ضمير الثرى والمطر
تناهى الشتاء… تناهى الضجر ..(16)

ولفظة الشتاء في هذا السياق ليست إلا إيحاء بما يعتمل في نفس الشاعر من ضيق وألم وشعور بالضياع ؛ فالشتاء رمز للأيام الخاوية الباردة ورمز لبيات المشاعر والأحاسيس ولذا فان الشتاء تناهى ليفرح الشاعر بمجيء الخصب وزوال الضجر …
تناهى الشتاء ..تناهى الضجر
قريبا يطل علينا القمر
ينقل فوق التلال خطاه
ويسكب من عمقنا في ضياه
تناهى الشتاء … تناهى الضجر (17).


أن فرحة الشاعر بزوال الشتاء الضجر القاسي هي نظير فرحته باستقبال النور والضياء ؛ فالقمر رمز للخير والسعادة وهو نقيض الظلمة التي تجلب القسوة والوحشة وهو يفرح بزوال الشتاء بقدر ما يخيفه مجيئه ولذلك يبدو التحول في البنية اللفظية تحولاً فنياً بارعاً .
واعلم أنى احب الربيع
وأصبو إليه صبو اشتهاء
ولكن قلبي يعاني شتاء
يلوح بلا موسم منتظر (18).
والربيع دلالة على الخير والعطاء والإشراق والتجديد لكن الشتاء وما فيه من ضجر وخمول لا يزال الوجه الذي يطارد الشاعر ويسيطر على نفسه ،وتبدو جزئيات الرمز مفصحة عن هذا الشعور بالضيق ؛ فأمطار الشتاء دموع وللرياح صوت كالخواء..
أحس الدموع به تنهمر
واسمع فيه خواء الرياح
شتاء ..شتاء
أرى للغيوم
وأنصت في خاطري للخواء
وأعرف أنى ما زلت ذاك القديم
وعمري شتاء (‍19).

ومثل هذا الرمز الذي يتكرر كثيراً على يد الشاعر يعد رمزاً نموذجياً فالشتاء يعتري مظاهر الطبيعة ليحيلها معالم شاحبة ، ولكن الشتاء لم يكن إلا قالباً رمزياً لأحاسيس الشاعر وهو شتاء عاطفي فيه الخوف والقلق والشعور بالوحشة والضيق فصل لبيات المشاعر وجمودها وموعد للحزن والإحساس بالضياع وليس مجرد فصل من فصول السنة .

وفي قصيدته "عودة الشيخ "يجرد سبول من الشتاء رجلا شيخا ثم يصف هذا الشيخ رجلاً هائلاً اغلق الأفق وأخذ ينقر بعصاه الشارع وراح يخرج ألوانه وريشته ليرسم أقواساً ولم يكن البرق إلا ضوء زناده والغيوم هي بعض ما يخرج من غليونه وصار مجيء الشتاء حدثاً أسطوريا يتطلب الوقوف والتأمل من خلال ما يثيره من إعجاب .
وتصويره الشتاء على هذا النحو يكشف عن موقف الشاعر منه إذ يوحي بالقدرية التي ينبغي للمرء أن يخضع لها ولا يملك إزاءها إلا أن يصمت ويترك لغو الكلام .
هو ذا شيخ الشتاء اغلق الأفق وجاء
هو ذا ينقل في الشارع نقرات عصاه
قادم يحمل في سر إهابه
أدوات من فنون السحرة
ريشة ترسم أقواسا على عرض السماء
وزنادا يشعل البرق
وغليونا لتصعيد الغمام
فقفوا .. ودعوا لغو الكلام
واهتفوا مرحبا شيخ الشتاء (20).


رمـز اللـيل….
ويحتل الليل مكانا رئيسيا في الرموز التي تستأثر باهتمام سبول فيتجلى بصور مختلفة ليعبر عن الحزن المستمر والمقيم في نفسه؛ والليل مثير للشجون ومجدد للمخاوف والظنون ومجيئه رهين ببعث الحزن واستحضار الذكريات المضيئة الممضة، والليل نقيض للحب ورمز للجفاء وجفاف العواطف .
في قصيدته "المستحيل " يظهر الحب رغبة غامضة خطرت في ذهن الشاعر في إحدى الليالي وينظر الشاعر لليل على أنه جالب للأفكار الغريبة الغامضة المتعلقة بالحب وهذا مناقض لحقيقة الحب الذي هو عاطفة إنسانية نبيلة وتجربة قد تتهيأ لمعظم الناس باختلاف مستوياتهم الثقافية. ولكن حب الشاعر كان تجربة مؤلمة ألقته في مدّ المحال وصارت عنوانا لمأساته …
حينما أنسلت إليه خلسة إحدى الليالي
رغبة غامضة ألقته في مد المحال
أن يطول القمرا
وبكى مذ شعرا
أن سيبقى أبداً في أسر صدري
بعدها لون بالمأساة عمري(21).

والليل في قصيدته "من مغترب " رمز للوحدة والوحشة ففي النهار نقيض الليل يهرب الشاعر من وحدته ويغدو الصباح طريقا للحلم باللقاء واستحضار الذكرى والأمل المشرق باستعادة الحب ، وليس الخوف إلا من مجيء الليل بأحزانه وآلامه …
صديقتي في المنتأى أغالب العياء
أنسج في الصباح من ذكراك أمنيه
أحلم بالمعاد إذ يضمنا لقاء
أروغ من توحدي سحابة النهار
لكنما يدركني المساء
أخاف يا صديقتي من أوبة المساء
غيومه تعبرني مثقلة نشيج


مواكب الأحزان فيه تملأ الدروب (22).

والليل رمز للضياع والقسوة والخديعة وجمود العواطف كما يظهر في قصيدته "ثلاث أغنيات للضياع"..
ظلام
عيناك ظلام .. عيناي ظلام
ما جدوى ..ما جدوى البسمه
والقلب تغلفه الظلمه
صدئين سيظهر قلبانا
عيناك ظلام(23).

وفي الليل يضيع الحب الصادق الصافي وتحل مكانه اللقاءات العابرة واللذة العجلى..
جمعتنا الصدفة ذات مساء
ثرثرنا الليل تواعدنا
والآن سئمت حكاياتي
كل منا سئم الآخر(24).

وفي الليل يضيع الصدق ويحل المكر والخداع والكذب وتتوارى المشاعر والحقيقة خلف قناع الزيف والظلمة …
الليل أغان تنتحب
أشواق تهدأ تضطرب
تتضور روحي فأنادي
لو أنت تمهلت الليله
كنا ثرثرنا وكذبنا
وزعمنا خيط العتم شعاع(25).

رمـز الـمرأة ..
لقد أكثر الشاعر من الارتكاز على رمز الليل رابطا بينه وبين مشاعر نفسه ، لكنه ظهر بشكل خاص في التعبير عن مواجد الحب أو في الإشارة إلى العلاقة بالمرأة على اختلاف صورها .
ولم تكن المرأة عنده امرأة بمفهومها المجرد كمخلوق حيّ بلحم ودم لكنها غدت رمزاً ذو دلالة غنية ومكثفة كذلك.
في قصيدة "غجرية" تفتتح القصيدة بالإشارة إلى الليل في التعبير عن القسوة واللؤم والغموض الماثل في تلك الغجرية رمز المرأة اللعوب ..
وحشة الليل على العينين تجثم
ونداء الغاب في البؤبؤ مبهم
غجريه
كعمود النار قدّ يتلوى
وشفاه مترعات عنجهيه(26).

إن موقفه من هذه المرأة يجسد موقفه من جملة النساء اللائي يعشن هذه الحياة العابثة، وهي كذلك صورة من صور التردي الذي يعيشه المجتمع ، ويستخدم سبول المفردات التي توحي بموقفه من هذه المرأة ؛وحشة الليل ، نداء مبهم ، عمود النار ، عنجهيه .
ولكنه بالرغم من هذا الموقف مشدود نحوها يعلم أنها تهدم نفسه ولكنه لا يحاول الخلاص منها بل يطلب إليها أن تسرقه من واقعه المضني وتنسيه الألم ولو كان بألم آخر يتمثل بهدم قيمه ..
غجريه
قدم تضرب صدر الأرض تعلو
وتدق الأرض دقا
زوبعات من غبار ودوار
أمطريني أمطريني
من سديم الغيب زخات سخيه
ألصقيني بالتراب (27)

الشاعر يسعى نحو الحياة الفطرية البسيطة والبعيدة عن جفاف الدينة وجدبها وتلك نظرة مثالية تهرب من دنيا الواقع التعس إلى عالم وهمي ، هي رحلة رمزية إلى الحياة الفطرية الخالية من الآثام والمفاسد وهي فرار من برودة الحزن إلى دفء العاطفة .
وتكمن المفارقة في أن الشاعر في هروبه إلى هذه الغجرية يقف أمام ما هرب منه فتتجسد أمامه معاناته في واقعه ؛ وقد عبر عن ذلك بقوله .. قدم تضرب صدر الأرض تعلو .. وتدق الأرض دقا.
إنها قدم الاستعباد والحرية المصادرة .. القدم التي هرب منها يجدها أمامه في صورة هذه المرأة التي تدق بقدميها الأرض وهي تدق الأرض ولا تضربها وكأنما تحفر فيها لتترك أثراً أو تقيم أساسا ولو قال تدق القلب دقا لما اختلف المعنى وموقفه من هذه الغجرية يجليه قوله .. ألصقيني بالتراب ، ومع أن لفظة التراب تحمل دلالات عديدة لكن سياق القصيدة يشير إلى أن فيها ما يجلب العار ويلوث النفس وهي نظير للقول تمرغ في التراب أو تمرغ وجهه في الوحل ..
لقد خرج الشاعر باحثا عما يبعده عن الحياة التي يعيش يبعده عما فيها من ماس وتناقض ، فكانت النتيجة أنه عاد بخيبة أمل حينما وجد نفسه في صورة تعكس واقعه..
أنا من خلف ليل المدنيه
ظامئا لم يسقني إلا السراب
غجريه
جثث تهوي تموت
مثلما ينتفض الطير الذبيح
مثلما تعصف بالأوراق ريح (28).

ويكشف الشاعر عن موقفه الذي دارت حوله القصيدة بقوله ..
غجريه
هارب يحملني مدّ الدروب
قدري الأسود مجهول رهيب
وتناهى بي مطافي
عند عينين هما مقبرتا كل الخوافي(29).

وفي هذه القصيدة يظهر الرمز في مفارقة واضحة فالغجرية المرأة التي لجا إليها الشاعر اختارها رمزا للنقاء والطهر والبراءة وأصبح اللجوء إليها نزوعا نحو البساطة والفطرة والنقاء …
أمطريني أنت ما زلت غنيه
لم يلطخ شفتيك الطين بنيا وأخضر
لم تخوني منحة الشمس فهذا الوجه أسمر
ما كسته حلل الوجه المزور(30)

ولكن التحول الذي نلمسه بعد ذلك هو تعبير عن شعور الشاعر تجاه المرأة والذي يكشف كذلك عن تجربة حب مفعمة بالألم والمرارة ، ففي بحثه في المرأة (المحبوبة) عن النقاء والطهر صورها إلها يمنح العفو ويعطي الخلاص ، ولكن حلمه لا يدوم فهو سرعان ما يصطدم بالواقع الأليم الذي يحيله إلى الفراغ والوحدة.
ونزوعه نحو الحب ثم تشبثه به هو آخر المحاولات التي يواجه بها الواقع فيحاول التمسك بعلاقة يشكل الحب ظاهرها ولو كان ذلك إيهاماً للناس ..
رغم أن الحب مات
رغم أن الذكريات
لم تعد شيئا ثمينا
ما الذي نخسر إن نحن التقينا
ابتسمنا وانحنينا
ليس يدرى ما الذي نضمره في خافقين(31)

وعلى الرغم من هذه المحاولة إلا أنه يفشل مجددا في إقامة مثل هذه العلاقة فيزداد شعوره العميق بالشك والمرارة ويتحول الحب الجارف الذي كان يحمله إلى عداء لما يجسد الحب (المرأة) فيهجره ويهجر معه الحياة ، ثم ينكفئ على ذاته متخليا عن آمال الحب وأحلامه ويعلن أنه لم يعد أهلاً للحب بعد أن لاقى الأسى والألم مما جره عليه فؤاده ، ويستعين الشاعر بقيس بن الملوح وليلى العامرية رمزا للتعبير عن الحب العذري النقي والصادق ..
لا وعمق السر في عينيك ما كان غراما
وانكفاءاتي ونزفي وأناشيدي اليتامى
لم تكن صرخة قيس خلف ليلى
ففؤادي لم يعد للحب أهلا(32)

ولكننا لا نفهم كيف لا يكون غراما وحبا ذلك الذي دفع الشاعر للانكفاءات والنزف والبكاء والحزن والعذاب ، والحقيقة أن ذلك هو الثمن الذي دفعه في بحثه عن الحب النقي ، ولذا فإننا نجد أن الحب عنده يتحول إلى فكرة رمزية تمثل طريقا هي النهاية الحتمية لكل من يسلك دروبه .
حينما انسلت إليه خلسة إحدى الليالي
رغبة غامضة ألقته في مد المحال
أن يطول القمرا
وبكى مذ شعرا
أن سيبقى أبدا في أسر صدري
بعدها لون بالمأساة عمري (33)

لقد حملت المرأة في قصائد سبول رمزاً دالا على الشعور بالاغتراب وصورة المرأة جسدت ألم الاغتراب كما كشفت عن مظاهر البهرجة والزيف.
في قصيدته "عودة إلى الرفاق المتعبين" يستخدم سبول رمز الغجرية للتعبير عن النقاء الأنثوي والبساطة ، وفي سبيل البحث عن الحب الصادق والنقاء الفطري يلجأ إليها..
غجريه ..يا لهاث الرمل يا إنساني الضائع
في أصداء موال حزين
فأعيدي كل ما كان
ولا تقسي على جساس
من أجل خيانه
كلنا كان يخون(34).

ثم تتحول الرؤية من جديد وتنتهي إلى ما انتهت إليه المحاولات السابقة ..
غجريه ..
كذب من قال في عينيك أسرار خفيه
مثلما تسعى على الأرض الديادين الغبية
أنت تسعين
خواء ملء عينيك بلاهه
وغباء مطبق يقعي وسقم وتفاهه(35).

ويكون لجوء الشاعر إلى الحب هو طريق الخلاص والنجاة من الواقع الذي يعيش فيه ، لكن الحب يخفق في تخفيف الحزن وإخراجه من الألم وتحقيق الخلاص.
وهذه الصورة الرمزية التي تظهر للمرآة في كل حين تغلب على ديوان الشاعر لكنه يتناولها بإيحاءات رمزية متعددة وهي تصادفنا كلما توسع الرمز وأصبح أكثر تركيبا وأوسع دلالة فهو يتمثل من خلال الرمز الأسطوري والرمز اللوني والرمز المشموم.

ويستخدم سبول المرأة رمزا للتعبير عن الأرض فتصبح المرأة رمزاً للأرض التي تتجسد أما رؤوما حانية على أبنائها حاضنة لهم ومهدهدة لآلامهم وأوجاعهم أو حبيبة وعشيقة يخاطب الشاعر من خلالها أهله ووطنه وتاريخه ، وهي كل ما يمثله الموطن من أهل ومعشر وحنينه إليها حنين إلى بلده ..
صديقتي
تحية من متعب حزين
تحية ترعش بالحنين
للمسة لكلمتي عزاء
صديقتي.. في المنتأى أغالب العياء
أنسج في الصباح من ذكراك أمنيه
أحلم بالمعاد إذ يضمنا لقاء(36)

في قصيدته "شهوة التراب" يتناول الشاعر المرأة تناولا رمزيا وتتجسد الفكرة فيها من خلال الحديث عن خلق المرأة من ضلع الرجل وهي دلالة تشير إلى اللحمة القوية بين الرجل والمرأة …
هنا معي
يا ضلعي المقدود بين أضلعي
مفقودتي
هنا معي هنا معي(37)

وهذا المقطع وهو يعتمد على التكرار في التأكيد على الرابطة اللحمية التي تجمع الذكر بالأنثى فإنما تشي كذلك بإحساس الخوف الذي سيطر على الشاعر من فقد حبيبته..
يظهر ذلك من خلال المفردات … مفقودتي .. ضلعي المقدود. وتظل بنية القصيدة في ارتفاع وتصعيد لتصل في النهاية إلى التوازن الذي هو انعكاس للتوازن النفسي الذي أحس به الشاعر ..
يدفق حبا قلبها
أغنية لا تنتهي ، لا تنتهي
هنا معي
يا ضلعي الأحب بين أضلعي(38).


رمز الفكرة .. والتجربة الرمزية..
أما ما نجده في الديوان من ميل إلى تمثيل القصائد تمثيلا رمزيا فإنه يظهر عن طريق تكوين الصورة الشعرية على أساس من تراسل معطيات الحواس مما يضفي على الصورة مسحة من التجريد تحول فيه المحسوس إلى فكرة ، كما يستخدم التعابير التي تقوم على تشبيه اللامحسوس بالمحسوس واستعارة المادي للمعنوي ، كما يميل سبول إلى استخدام الحوار والقصص الرمزي متخذا من الأشخاص والموضوعات والحركة الحوارية والقصصية رموزا لأفكاره ومشاعره..
ونجد في قصيدته "لحظات من خشب" والتي يظهر من عنوانها هذا التجسيد للزمن مما جعلها تكتسب دلالة الجمود وانعدام المشاعر .
وفي قصيدة "قطعة قلب للبراءة " نجد معينا للصور الذهنية والرمزية التي يوظفها سبول في سبيل التعبير عن الأبعاد النفسية لتجربته العاطفية …
تخنقني أصابع الندم
تجتثني تحيلني شريحة من الألم
لأنني بريء(39)

والصورة السابقة تكشف عن الحالة النفسية وهي صورة تبرزها المشاعر والانفعالات التي توحي بالفكرة فهي صورة تعبر وبتلقائية عن الإحساس بالألم والحزن والوحدة والسكون والضعف.
ويرسم سبول صورة كلية ورمزية للتعبير عن إحساسه بالحزن وتقوم على التشخيص..
صديقتي .. كل العيون ها هنا حزينه
فالحزن قد غزا المدينه
جنوده الأقزام قد تسلقوا البيوت
تشي الوجود ها هنا بأننا نموت(40)

والصورة هنا ومن خلال تعبيرها عن فكرة الحزن بالإيحاء والرمز فإنها تضيء في الفكر معان ومشاعر ، هذه المعاني والإيحاءات تظهر حين يبدو الحزن في صورة الجيش الغازي وله جنود من الأقزام الذين يتسلقون البيوت وهذه الصورة الغريبة للحزن والتي تصوره جيشا تكوينه غريب وأفعاله غريبة هي صورة معبرة عن إحساس مماثل بغرابة الحزن الذي سيطر على الشاعر بل على الناس جميعا.
أما في قصيدة "مرثية الشيخ" فإننا نجد صورة رمزية تعبر عن مسيرة والده أو مسيرته هو في هذه الحياة بل هي تشير إلى الموقف الشعري والتجربة التي عاشها وعانى مرارتها ، فيشبه تجربته بكل ما قاسى فيها من بؤس ومرارة بسفينة واجهت غضب الأمواج والحيتان متحدية رافضة حتى ملّت في النهاية كل شيء وفقدت الإحساس بطعم البحر ونكهته فاستسلمت أخيرا بعد أن فشلت فمالت لتنام ..
إن هذا الهيكل الملآن أصداء
سنينا ومرارة
ذا الجبين الناتئ المشرع للأنواء
يومي بجساره
فلنقل: كان سفينه
مثلت أضلاعها للريح في عرض البحار
وتحدت مغضب الأمواج والحيتان
عاما بعد عام
وتناهت نكهة البحر وسر البحر فيها
فلنقل : داخت أخيراً
وتداعى برجها الآن ..فمالت لتنام(41)

يتناول الشاعر الفكرة من خلال صورة رمزية كلية تمتد أحيانا لتطغى على مجمل القصيدة ، وفي هذه الفكرة الرمزية تظهر رموز جزئية عديدة تتضافر للتعبير عن الصورة الكلية للرمز ، فما دلالة الريح أو الأمواج والحيتان والبحر ، وما علاقة عنوان القصيدة "مرثية الشيخ" بالسفينة ، ولنحاول أن ننظر في المقطع الأول والذي يسبق المقطع الذي أشرنا إليه ولنحاول إيجاد رابط بينهما ..
كان صوتا شاحبا أعلن
أن الله أكبر
فحملنا الجسد الهش وسرنا
ثم فوق الأفق الغربي لاح .. القرص أصفر
سورة الإغماء شدت وجهه العاني عميقا
وبدا دغل من الزيتون أغبر
فوقفنا
للأصيل المجهد العريان ننظر(42)

الصوت الشاحب إشارة الانكسار والحزن والفجيعة والسبب موت الشيخ ، الشيخ الذي يرمز للإرث القديم والمجد الغابر ،أصبح جسدا هزيلا مسجى في رقدة الموت ، فتغيرت لموته مظاهر الحياة ؛قرص الشمس أصفر ؛والصفرة دلالة الخوف والمرض والإيذان بالزوال والغروب ،وشجر الزيتون تغير لونه واغبر والأصيل كذلك مجهد وعريان.
هذا التغير في مظاهر الكون يعني أن الشيخ لم يكن شخصا عاديا وحياته لم تكن حياة عادية ، ولذا فالشاعر في تقريبه لصورة الشيخ ، يقول ..فلنقل كلن سفينه ..ولكن هل تستطيع السفينة التدليل على قيمته ومكانته الحقيقية ، صحيح أن السفينة تحدت المصاعب وقطعت الآفاق لكنها لا تكاد تبلغ التعبير عن صفته فيقول.. فلنقل : سيف جليل نائم ، والسيف كالسفينة جاب أمداء وخلى أثرا ولم يكن سيفا جبانا ، ولكن نهايته كانت كنهاية السفينة..
أغمدوه
الآن يستلقي مسجى في الغماد
في جدار المنزل الأرحب صدرا
علقوه
وليكن عالي النجاد
حق بعد اليوم ألا يشهرا(43)

لقد كان الشيخ سيفا جليلا لكنه الآن موضوع في غمده ومعلق في جدار لمنزل رحب وكتب عليه ألا يرتفع بعد اليوم ، السيف رمز الكرامة العربية أو التاريخ العربي الذي كان مليئا بالإصرار والتحدي والانتصارات والمفاخر، نجده اليوم معلقا في جدار المنزل مجردا من الفعل.
وبازاء رموز الخير السيف والسفينة والشيخ والهيكل والقرصان المغامر وقرص الشمس والزيتون تقف رموز الشر الممثلة بالأمواج والحيتان والريح والمعول الذي ينهش الأحشاء والمعول هو آخر القوى الشريرة التي واجهتها القوة العربية فماذا كانت النتيجة ..
وحين رنّ معول
ينهش أحشاء الصفاه
أصخت
من يصرخ (وافجعتاه)
سمعت ريحا
في الذرى تولول(44)

والشاعر في الحديث عن السفينة (الهيكل اليابس) والسيف يشير إلى الحال التي أصبحا عليها فماذا كانا قبل ذلك أو كيف كانت الأمجاد العربية قبل هذا الوقت..
ربما قبل عصور
كان هذا الهيكل اليابس يوما
سنديانه
شمخت تستشرف الوديان
مدّت جنبات
عششت فيها نسور من عل(45)

هكذا بدا المجد العربي بشموخه واستشرافه كسنديانة تعيش فيها النسور رمزاً للقوة والعلو،تحملت وتعالت فوق الجراحات ، وقاومت بيأس وصلابة كل ما جابهها من عدوان..
راقبت الذئبان تقتات بحملان
فهزت عطف غصن مطمئنه
ألف فأس جرّحتها ..قطّعت أوصالها
سالت نسوغا.. دون أنه
مدّت القشرة من فوق جراح الكبرياء(46)

لكنها ضعفت وتهاوت ثم صارت إلى الحال التي وصلت إليه السفينة ..
هي ذا الآن تهاوت
بعد أن برحها طول اعتوار
من شموس وصقيع
كتلة جرداء ملأى .. بغضون العمر
توقيع زمان(47)

وتكشف القصيدة عن جزء من الرمز من خلال قول الشاعر ..
لا تقولوا (لم تكن)
كانت
وهذا الهيكل اليابس
من نفس الأرومه بورك الشيخ سليل السنديان
ذلك الشيخ الذي يغفو
مليئا بالزمان(48)

الهيكل اليابس هو الشيخ والهيكل من نفس أرومة السنديانة والشيخ سليل السنديانة والسنديانة كانت تعيش في عزة وقوة رمزا للشموخ العربي والشيخ الذي هو من سلالتها رمز للإنسان العربي الضاربة جذوره في أعماق التاريخ ، فهل رثاء الشيخ يعني موتا للإنسان العربي وموتا لكرامته وانتهاء مجده .والشاعر لا يعلن ذلك فهو عاد ليقول إن الشيخ يغفو مليئا بالزمان وإغفاءة الشيخ تعني أن هنالك وقتا للاستيقاظ ، وإذن فكيف يتم استيقاظه وما سبب الغفوة التي هي أشبه بالموت ثم إلى أين يمضي إن هو أغفى ..
أي سر سحيق
أنت والكبرياء
آن أن ترحلا
فالمسا ينتظر .. والشجر
مدّ أيديه عاشقاً
سائلا أن تعود
لنسوغ الجدود(49)

إنها العودة إلى دماء الجدود وجذورهم ، فالشيخ في رحلة العودة إلى نسغ الجدود إنما يتسلح بالمجد الغابر والكرامة العربية فهما السبيل للعودة للحياة.
ومن الأشكال التي يوظف سبول الرمز فيها هي توظيفه عن طريق البناء الدرامي واستخدام الحوار معبرا عن الفكرة بأسلوب رمزي يعتمد تجسيم الموقف واستخدام الحركة ورصد المتناقضات ..
ويعرض سبول مشهدا حيا يمثل التجربة الذاتية وبأسلوب رمزي ..يقول
أنا والمذياع والليلة عيد
والمغني يمضغ الفرحة في مط بليد
ولفافاتي استقرت
جثثا بين الرماد ..
كنت أشتاق لو أني
لي بهذا العيد أفراح صغير
لو أني لي به فجعان مأتم(50)

إن هذه المقطوعة التي تستخدم الحوار الداخلي وسيلة من وسائل التعبير الدرامي تنقل لنا قطعة واقعية من الحياة فيها تصوير للصراع والتأزم الذين يمر بهما الشاعر عارضة الموقف من خلال التناقض وتجسيد المحسوس وتشخيص الجمادات كذلك.
والموقف الذي يريد الشاعر التعبير عنه أنه يعيش وحيدا دون أن يجد مؤنسا يشاركه أفراحه أو أحزانه ، ولكن الشاعر لا يعبر لنا عن هذا الموقف تعبيراً مباشرا بل يلجأ إلى تلوين الموقف وإعطائه هذه القيمة الدرامية ليخلق التوتر في نفس القارئ الذي يبقى مشاركا الشاعر في حواره الداخلي .
ونلمح صورا عديدة من صور التوتر الناجم عن الشعور بالتناقض ، ونشعر بحرارة الجو الدرامي من خلال تحديد الشاعر للإطار الزمني "الليلة عيد" ، فليلة العيد مناسبة سارة لكن الشاعر الذي يبدأ بقوله "أنا والمذياع" يوحي لنا بسيطرة الوحدة والعزلة عليه في مناسبة العيد التي تجمع الأصدقاء والأحبة ، ولتثير الوحدة مشاعر الحزن والضيق بدلا من الفرحة ، فيعبر الشاعر عن مدى حزنه العميق حين يتصور أن الحزن قد انتقل إلى كل ما يجاوره ، فيبدو المغني حزينا "يمضغ الفرحة في مط بليد"، فالمغني يبدو عنده غير صادق وإن كانت كلماته توحي بالفرحة بمقدم العيد ، وبذلك فإن غناء المغني أصبح صورة من صور التناقض بين الكلمة والحقيقة .
وتمتد الوحدة والموت إلى كل شيء حتى يرى الشاعر لفافات التبغ جثثا بين الرماد ، وهذه الصورة إنما هي تجسيد للتلاحم القائم بين الفكر والشعور .
ويستثير هذا الموقف موقفا آخر "كنت أشتاق لو أني ، لي بهذا العيد أفراح صغير.. لي به فجعان مأتم " واستخدام الشاعر الفعل الماضي الناقص "كنت" ثم لحرف التمني "لو" يدل على إحساسه باستحالة تحقق أمله ، فهذا العيد قد أقبل والشاعر وحيد لا يجد الخلاص ولن يجده ،وهذا هو سر الحزن في نفسه ؛ إنه الحزن الناجم عن المعرفة ..
كنت أعلم
أن عيدا بعد عيد بعد عيد
سوف تأتي
ثم تمضي
وأنا أحرق تبغا
ونفايا ذكريات(51)

ومن الأساليب الدرامية التي لجأ إليها الشعراء أسلوب البناء القصصي أو استحضار بناء القصة المألوفة ، إذ وظفوا عناصر هذا البناء وأدواته التعبيرية على شكل نمط درامي بهدف التعبير عن الموقف تجاه الحياة والواقع.
ومن القصائد التي تطالعنا كمثال على البناء القصصي الدرامي قصيدة "ما لم يقل عن شهرزاد" لتيسير سبول ، وفيها يقول ..
شهرزاد
لم أسرت بي حكاياك إلى أمس دفين
عبر سرداب من الأوهام يفضي ليقين ..
فإذا بي مثقل أحمل في جنبي سرا
ليس يدرى
عن خفيات لياليك الطويلة(52)

هكذا تبدأ القصيدة عبر صوت داخلي في أعماق الشاعر الذي يستحضر شخصية شهرزاد من قصص الأدب العربي القديم ، وتظهر أول ملامح للصراع في داخله من خلال السؤال الذي يطرحه "لم أسرت بي حكاياك إلى أمس دفين" ، ثم يتعمق الصراع من خلال التناقض " سرداب من الأوهام يفضي ليقين" ، فهو يرى في أحداث هذه القصة الخيالية جزءا من واقعه (اليقين) ونلحظ أثر ذلك عل نفسه حين نراه مثقلا بالهم، هم المعرفة واكتشاف السر ، فشهرزاد المرأة التي طالما جلبت الفرحة والمسرة لنا بحكاياتها الجميلة وقصص الجن ، والتي طالما أحببناها ..
وسهرنا ليلة في إثر أخرى
لهفة تسأل عما
كان من أمر أخيرا..
وعفا من بعد ألف شهريار
ففرحنا
في بلادي حيث عين الطفل والشيخ سواء
دعوة تحيا على وعد انتصار(53)

إن هذه المرأة ليست كما كنا نظن ، إنها ليست تلك المرأة القوية التي تصدت للظلم والجبروت المتمثل بشهريار بل هي امرأة أفنت عمرها في خدمته آملة أن تتحرر من قيده ، فيما كانت عيون الأطفال والشيوخ "دعوة تحيا على وعد انتصار"
إن صورة هذه المرأة الخائفة أوحت للشاعر بصورة مماثلة هي صورة الأمة الخائفة لقد رأى في قصة شهرزاد ما يتشابه مع الراهن مع حال الأمة العربية التي عاشت لياليها الطوال في خوف دائم ..
ألف ليله كل ليله
حلمك الأوحد أن تبقي لليله
فإذا ما الديك صاح
معلنا للكون ميلاد صباح
نمت والموت سويا في فراش(54)

ولذا فإن دعوات النصر والأمل بالخلاص ليست إلا محض أوهام…
شهرزادي
خدعة ظللت الآذان عمرا
ورست في خاطر التاريخ دهرا(54)

وهذه هي بؤرة الصراع ومحور التأزم الذي يعيشه ،إنه ينطلق من إحساسه بتناقض المشاعر واختلاطها ، ثم لإدراكه الحقيقة ، لذا فإنه في استحضاره لهذه القصة إنما يريد منها أن تكون خلفية تعبر عن مشاعره وأحاسيسه تجاه واقعه ، متسائلا في نهاية القصيدة هل سنبقى ننتظر وهل سنكون كشهرزاد التي أفنت عمرها دون انتصار..
وسنبقى كلما دل على الأفق شتاء
نتسلى بحكاياك الشجيه
ونغني لانتصار
لم يكن يوما ولا يرجى انتصار
تحت عيني شهريار(55)

وهكذا نجد سبول يعمد إلى استحضار هذه القصة ضمن قالب رمزي لتعبر عن الواقع الحاضر ، فالشاعر يرى في الماضي صورة مماثلة للواقع(56)
ويميل سبول إلى استخدام القصة الرمزية في إطار النمط الدرامي كما في قصيدته" أحزان صحراوية" حيث تبدأ القصيدة في جو من الأجواء الأسطورية التي نعيش معها مرحلة البدء ، ويقص علينا الشاعر هذه الأحداث لبطلها الذي لا يطالعنا باسمه ، مفسحا المجال للتأويل والتشويق معا..
من زمان…..
من تجاويف كهوف الأزليه
كان ينساب على مدّ الصحارى العربيه
لينا كالحلم سحريا شجيا
كليالي شهرزاد
يتخطى قمم الكثبان ، يجتاز الوهاد..
من زمان…
شربت حسرة ذاك الصوت حبات رمال
مزجته في حناياها ، أعادته إليا..(57)

ويتجلى الجو القصصي في هذه القصيدة من خلال استخدام الشاعر للأفعال التي تفيد السردية والحركة معا ، ولعل بدء القصيدة بقوله "من زمان" قد أوحى لنا بهذا الجو الدرامي ، والشاعر الذي لم يتأكد إذا كان قد بعد بنا بالفعل إلى الزمن الذي يريده يقوم بتحديده مكانيا .."من تجاويف كهوف الأزلية "، هناك كان ثمة شيء ينساب على مدّ الصحارى والانسياب يحمل معنى للخفة والخفية كما يوحي بالتوحد ، ثم نتابع الأفعال التي تفيد السرد والحركة ( يتخطى ، يجتاز الوهاد، شربت، مزجته، أعادته)… ثم لنعرف أن هذا الشيء هو صوت يسمعه يتردد دون أن يعرف مصدره،فيبقى سائراً خلف هذا الصوت يترصد مصدره حتى يظفر به أخيراً…
فكأني قد تنفست شجونه
وكأن الصوت في طيات صدري
رجع اليوم حنينه
فأراه
بدوياً خطت الصحراء لا جدوى خطاه
موحشا يرقب آثار الطلول
من زمان(57)

إن هذا الصوت المنبعث من ذات الشاعر إنما هو تعبير عن حقيقة المشاعر التي تعمر نفسه تجاه الإنسان العربي الذي عاش على هذه الصحراء منذ الأزل.
لكن الشاعر لا يبسط لنا مشاعره لنتلقفها جاهزة بل يترك الرمز وتداعيات القص يعبران عن موقفه النفسي، ويمكننا أن نعود إلى بداية القصيدة لنصور الموقف على هذا النحو، فنقول .. إن الشاعر قد أحس بصوت يتردد حوله يسمعه فيشعر بقدمه، صوت منبعث من تجاويف الكهوف، قطع الأمداء وسار عبر الصحارى متخطياً الكثبان والوهاد، هكذا يبدو الصوت عميقا أزليا لكن الشاعر لا يكتفي بذلك فهو يضيف إلينا رموزا تصور المأساة التي يجسدها الصوت "شريت حسرة ذاك الصوت.. حبات رمال…" ، فهو صوت حزين تجرع صاحبه الحسرة والألم ، وهنا يربط الشاعر بين الصوت وما يتداخله من حسرة وبين حاله هو ".. مزجته في حناياها.. أعادته إليا".
وينبعث الصوت مجددا ولكنه يكون متوحداً مع الشاعر ، فيخرج من طيّات صدره ليرى عندئذ صاحبه.. " بدويا خطت الصحراء لا جدوى خطاه" .
لقد حاول سبول في هذه الأسطر الشعرية أن يقيم علاقة لحمية بين الماضي والحاضر؛ تجربة الماضي ممثلة بالأمجاد العربية تشاركه حاضره ونفسه فيحاول الوصول إلى اكتشاف ذاته ومعرفة هويته.
وهذه القصيدة يمكنها أن تقول على المستوى الفكري شيئا كثيرا ، حين تأخذ دلالة الرمز معاني مختلفة وزاخرة ما كانت لتتهيأ لو لم يستخدم الشاعر هذا البناء الدرامي ويفعّل عناصره من حركة وصراع وسرد.

ومن أبرز القصائد التي قالها عقب النكسة قصيدة "مرثية القافلة الأولى" وهي قصيدة يتضح فيها عمق الأثر الذي خلفته المأساة في النفس العربية حين حمل إنسانها جرح الإحساس بالهزيمة ، إحساس المصدوم بمرارة واقعه ، والمخذول المخدوع بما كان يؤمل من نصر … فحين طلع الصباح اتضحت معالم المعركة ، ولم يكن ثمة نصر بل عيون طيبة مطبقة ونساء فقدت الدفء بموت أزواجها…
طلع الصباح على العيون الطيبه
ومع الظهيرة أطبقت
عشرون ألفا مطفأه
عشرون ألف يد ممددة ولا
دفء يوسد امرأه
دع عنك قولك في الغداة النصر آت
لا(58)
وفي خضم الإحساس بهول الكارثة ، يفقد الشاعر الإيمان بجدوى أي خطوة ؛ فلا يفيد البكاء ولا استحضار الأمجاد أو الاستعانة بالعرب؛ فحين لاحت سحب الهزيمة وذبح الرجال دون جولة ، ونقر العقاب العيون، عندها غاب النور وساد الظلام وصارت أصوات النصر مجرد هذيان….
أدري بأني لو بكيت مصير شعبي
لو أعارتني ثكالى النوق حنجرة .. سدى
أزجي لسيناء العجوز نحيب شعبي ..لا صدى
عشرون ألف مقلة نقر العقاب
لا تهذ بالنصر الملفق
إنني أنبيك.. خذ ..
النور غاب
والليل أطبق
فليكن ليل وكان(59)

إن الشاعر يعبر لنا عن تلك الخيبة التي عاشها وجيله ، وهم سادرون في انتظار قرع طبول النصر.
لقد أحس الشاعر بألم النكبة وعانى مرارة الهزيمة ، فكان صدى صوته نشيجا داميا مرا وسوطا يجلد به ذاته قبل أن يجلد الآخرين ، وفي غمرة هذا الإحساس بالألم كان في بحث دائب عن أي تفسير صادق لما حدث ، وعندئذ تهدأ لغته الانفعالية ، ويحاول تلمس الأسباب بعيداً عن الهذيان ؛ فيأتي التفسير بعد قوله "لا تهذ بالنصر الملفق .. إنني أنبيك" وقوله "دع عنك ما يهذي الجهول وما يلفقه المخاتل" .
وتكون هذه الوقفات بداية التحول ؛ ليعود الأمل بحتمية النصر العربي ، وهذه المرة على يد جيل آخر يستمد القوة من كل الذين ضحوا بأنفسهم ومضوا…
باسم الذين تجندلوا
في أرض سيناء العجوز
زند سيبرق
كف جيل سوف تلتقف العنان(60)

ويعود في نهاية قصيدته إلى التأكيد على أن الحرب مع الأعداء لم تنته ، وأن أولئك الذين قضوا في سبيل بلادهم قد حملوا شرف الريادة ، لتكون دماؤهم شعلة النور التي يستضيء بها الذين يواصلون الدرب فيستفيدون من الهزيمة ويجعلونها سبيلا لمستقبل أكثر فخارا..
هذي بعد آخر قافله
فلتحفظي شرف الريادة
في ضمير الرمل سرا
حتى إذا شقت سجوف الليل فجرا
تدرين أن دماءنا
زيت يضيء على مناره
ويقال أن هزيمة، خطّت إلى الآتي فخاره(61)

وهذه النهاية إنما تأتي في انسجام تام مع ذلك التصور الذي كان يحمله سبول عن حتمية انتصار العرب على الصهيونية العالمية المعاصرة والذي عبر عنه بقوله في أحد كتبه المخطوطة بقوله " الصهيونية العالمية نهاية قصة ستعيش عقودا ثم تنهار أمام العملاق العربي الذي بدأ يستيقظ من غفوته مع نهاية القرن التاسع عشر "

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق